سأفشي لك سرًا

إليك كيف يحدث الأمر:

قد تقرأ أسم مدينة ما في كتاب، تشاهد شوارعها في فيلم، تسمع أغنياتها في الراديو، تصادف أحد سكانها في متجر البقالة، تنبعث من تحت ركام ذاكرة حصة الجغرافيا، تصحو من غفوتها الطويلة في قصص الطفولة، قد تباغتك المدينة في برنامجٍ وثائقيّ عن الشعوب، أو كتاب طهوٍ لمدائن حوض المتوسط، قد ترى زيًّا مبهرجًا من أزيائها، تتناهى إليك لغتها ولكنة لسانها، قد يحدث ذلك وبكل بساطة، بينما تكون منشغلاً في أمرٍ آخر، أمر أشد أهمية من السفر أو أكثر تفاهةٍ من الاستلقاءِ كسلا، قد يحدث ذلك بينما تكون مسيّرًا في روتين حياتك، تعيد يومك الهانئ كل يوم، متحررًا من ثقل الرغبات الزائدة، قد يحدث أن تباغتك المدينة، أن تتكعّبل برغبة السفر إليها.

ستتبدى لك حينها كحلمٍ لا تسعى لغيره, ستلح عليك, ستغويك وتراودك وتناديك, ستسمع حسيسها في صحوك, وترى خيالاتها في منامك, ستسعى في مناكب محرّكات البحث, تتقصّى أخبارها وسِيرها وضواحيها وحواريها وصورها ومعالمها, تاريخها ومستقبلها, ستشتاق لها, وكأنك أحد سكانها في ما مضى, وكأنها مسقط رأسك او مدفن حبلك السري.

إليك كيف ستفعل حينها:

ستوهم نفسك، ستقول لها باعتداد، وبعد أن يوقّع مديرك ورقة اجازتك وصكّ حريّتك لأيامٍ معدودات، وبعد أن تبتاع تذاكر السفر، أجنحتك المؤقتة، وتكتب جدولك، تستأجر منزلك هناك، تُلقم حقيبتك ما تحتاجه في حياتك الجديدة القصيرة، ستقول لنفسك وقد غمرتها بأخيلة المسرّات الوشيكة وأمنيات السفر: إن بلغتها، إن وطأت أرضها برجلي، وصافحت أناسها بيدي، إن سكنت بيوتها وأكلت طعامها وألتقط صورًا لعجائبها، سأكتفي منها، سأعود وقد تحررت من سطوتها، سأخمد صوتها اللحوح برأسي، وأزيل من عيني صورها التي تتراءى لي كل حين.

هه، قد يحدث ذلك، قد تخمد المدينة، قد تُركن في غرفات الذاكرة، قد تتحول لتذكارٍ على الرف، بجانب التذكارات الأُخر، مجسمات صغيرة لأبنيةٍ كبيرة، لمساجد وقصور وأبراج وجسور، أو قطعًا مغناطيسية على باب الثلاجة، معظمها سقطت إذ لامسها شيءٌ ذات يوم، عصى المكنسة أو كوبٌ كنت تحمله اثناء بحثك عن قطعة كعك أو حتى أحد كتفيك، معظمها متهشمة، لا يهم، دعنا من تذكاراتك تلك، ضع عينك بعيني، انظر جيّدًا لهذه الأحرف بالذات، شفتاي تميلان بابتسامةٍ ساخرة، بابتسامةٍ خاسرة، سأفشي لك سرًا:

قد يحدث ما تأمل به، قد تسرّحك المدينة، تعفيك منها، تُحررك، تُشبع قلبك، تملؤه فتغادره، ولكن، تأكدّ، العالم ليس مدينة واحدة، قد تقرأ اسم مدينة ما في كتاب، تشاهد شوارعها في فيلم، تسمع أغنياتها في الراديو … وستدور بك الدوائر، ستظهر مدينة أخرى، تُحدث ما أحدثته صويّحبتها.

لا تستعجل، لا تظن بأنك قد أفلّت، هربت، أو على الأقل التجأت لمدينةٍ جديدة، لا يا عزيزي القارئ، لا تضع على خارطة العالم خاصتك علامةً على المدينة الأولى، علامة ” تمت الزيارة ” لأنك قد تسلى وتنسى، قد تتسكع في البلدان، وتقطع مئات الاميال، وتزجي أيامًا وشهورا، ثم، تتبدى لك مدينتك الأولى مرةً أخرى، تناظرك بلوّمٍ، أو لؤم، بولهٍ أو شقاوة، ربما ستكون وقحة، ستمط لسانها في وجهك، يا لها من ماكرة، المدينة كحرباءٍ تتلوّن، تتبدى لك بشاكلةٍ أخرى، مدينتك الأولى التي كانت حُلمًا قبل أن تبلغها، ستصير حين تغادرها ذكرى، ستأتيك على هيئة حنينٍ حقيقيّ هذه المرة، شوقٌ لأيامك هناك لا لأمانيك، ومن منهما ألحّ؟ الذكرى أم الحلم، القلب المشدود لحنين الأمس أم التوّاق لدهشة الجديد؟

إنها الدوامة، وقد وقعت أنا بقلبها، لم أنفك أدور فيها حاملةً في المطارات حقائبي، أجرّجرّ حيرتي بين الوجهة الجديدة والألفة القديمة.

قبل سنتين، بدأت بشكلٍ جاد تحويل تدويناتي المتناثرة عن السفر، ذكرياتي الطفولية المتعلقة به وشكل حياتي التي أعيشها بسببه، بدأت بتدوينها في كتاب ” ذاكرة تصلح للسفر “، صدر بعد ذلك بستة شهور، أي قبل عامٍ ونصف، صدر بحجمٍ كبير شيء ما، بالكثير من الكلام والذكريات والصور، بمعلوماتٍ شتّى، مفعمٌ بالأحاسيس والتجارب، ظننت حينها بأني قد ارتحت من الحاح الكتابة، قد قدمت لها قربانًا كفيلاً بسد رمقها الظامئ وشهيتها المفتوحة، الكتابة عن السفر تحديدًا، ولكن الكتاب تضخّم، كنت ازيد مقالاُ كل يوم وهو بين يد المحرر، أعده : آخر مقال، لن اضيف شيئًا في الغد، وأضيف. ولأنني اكتفيت بالحديث عن خمس دول، الدول التي أظن بأنني عشت فيها تجربة حقيقية أكثر من سواها، شيءٌ ما يستحق سرده والكتابة عنه، قررت أن أؤجل الكتابة عن بقية الدول التي زرتها في كتابٍ جديد، أن أقصره على حكايات شخوصٍ بعينهم، أناسٌ ألهموني، مِهنًا استوقفتني، بيوتًا أسكنتني وأحاديثًا تبادلتها.

حين يكتب أحدنا، لا يدري إلى أين ستأخذه الكتابة، يحدث ذلك أيضًا حين يولع بالسفر، لن يدري إلى أين ستحمله الطائرة، في السنة والنصف التي تفصل بين صدور الكتاب الأول والكتاب الثاني، وجدتني أعود لنفس المدن التي كتبت عنها، وظننت بأنني قد أحطت بها، وجدتني أرغب بالكتابة عنها مجددًا، لأنها أماكن ساحرة، أخّاذة، قادرة على كشف شيء خبيء من حُسنها في كل زيارة جديدة. اليوم، وبعد أن شرعت بتدوين كتابٍ جديد، فكرّت، ماذا لو أنني أعدت كتابة الكتاب الأول ” ذاكرة تصلح للسفر ” برؤية جديدة، وأكتب عن المدن التي فوّت الكتابة عنها في السابق، حيث أنني حين طلبت من الناشر التريّث حتى إضافة الفصل الأخير، اجابني بحزم، الكتاب سيدخل غدًا المطبعة !

وبعدها فكرت، ماذا لو أن الكتاب قد لا يصل لمريديه، ماذا لو أنني أردت دومًا أن أسافر، أن أكتب، أن أضيف أن أغيّر؟ ماذا لو تحول الكتاب لمدوّنة، لمجالٍ مفتوح لا نهائيّ أمام الرحلات والصور والنصوص، متاح دومًا للقارئ، في أي مكانٍ وزمان.

2 thoughts on “سأفشي لك سرًا

  1. متابع جديد هنا!
    أظن أن على أدب الرحلات أن يستعيد ألقه.
    الكتابات بجانب ذلك الباب الأخضر ملهمة. وقد مررت بجانبه والتقطت له صورة قبل سنتين أو ثلاث.

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s