حكاوي قديمة

صوغة، مباهج الطفولة

الحكاية, كُل حكاية, تبتدئ من هناك, من السنيّ الغضّة والحواسُ في بداية تفتّحها حيثُ الذاكرة صفحةٌ لم يُسكب عليها حبرٌ بعد.

كان السفر يعني لي حقائبُ العائدين وهي تُفتح محمّلة بالهدايا، ما نسميه في بلادنا “صوغة”, وأهم ثلاث مواسم للصوايغ بالنسبة للطفلة التي كنتها: بداية الصيف حيث تأتي خالتي من الامارات مع أبنائها ونهاية الصيف حيث تعود جدتي لأبي من السعودية وبواكير الربيع عندما يرجع والدي من رحلة الصيد في سوريا.

كنت أشتاق للأيام التي تزورنا بها خالتي مع أبنائها الذين يكبروننا بالسن، وتمتلئ جعبهم بالحكايات الغرائبية حول الجن في جبال الفجيرة والمرأة بساقيّ عنزة أو القدرات الخارقة للساحرات في عُمان والقصص التي يألفونها فنصدّقهم بفعل البراءة والخوف.

الأيام الصيفية الطويلة التي تقضيها في الكويت كانت تبعثُ الحياة في منزلِ جدتي لأمي, فنفضّل النوم فيه بصحبتهم بدلا من العودة لبيوتنا، حين أحاول استرجاع تلك الأيام فأنا أتذكر مذاق الحليب الساخن بالهال والشاي، خبز الرقاق الذي تعدّه خالتي باكراً وأقراص البيض التي نتناولها على الإفطار، واتوق للعلب البيضاء البلاستيكية المغطاة بأغطية حمراء ومعبأة بحلوى محليّة الصنع مزيّنة بالكازو والزعفران, لو أن ثم مذاقٌ لتلك الزيارات لكان مذاق الحلوى.

كان منزل جدتي حينها حديث البناء, ببوابةٍ زجاجية تنفذ عبرها الشمس, أحب استلقائها على أرض صالته وقت ميلانها في الأصيل، والفناء الذي كنا نراه واسعاً في تلك الأيام مظللاً بسدرة كبيرة وثلاث نخلات، تطل عليه من الشارع شجرة المطاط الضخمة التي زرعها جدي رحمه الله، نجري فيه ونلهو، تمسك أيادينا ببعض في حلقةٍ دائرية تضيق وتتسع، أنا فله، أنا ياسمينه، فتّحي يا وردة سكري يا وردة، والثعلب الذي فات فات في ذيله سبع لفات ..

ولكن، أهم ما في زيارة خالتي تلك، كانت حقيبتها. نجتمع حولها ونطالبها بالهدايا حتى قبل أن تنزع عبائتَها عن رأسِها، كان يسعدنا القليل ويبدو ثميناً في أعيننا، عروسة بموسيقا صاخبة وأضواءٍ ملونة، بيجامة وردية، حقيبة يد أو كرّاسةٍ وألوان.

وعندما يحين موعد مغادرة خالتي للإمارات، يكون موعد رجوع جدتي لأبي من السعودية قد حان، رجوعها من الرحلة التي تمنيّتُ أن أقوم بها في طفولتي ولم يتسنى لي الأمر، الرحلة بالسيارة من نوع  GMC أو سوبربان ذات الحجم الكبير واللونين الكحلي والأحمر، والتي في التسعينيات لم يكد يخلو منها بيتٌ في الكويت. كانت رحلة الأحلام حين الطفولة، حيث يسافر جدي وجدتي رحمهما الله مرتيّن في السنة لأداء العمرة وزيارة المدينة المنوّرة والتنزّه في جبال أبها والطائف، فبعد موجة التديّن التي امتدت في الكويت توقفوا عن قضاء الصيف في تركيا أوالقاهرة واكتفوا بالمدن القريبة التي لا تتبرج بها النساء ولا ترتفع أصوات المعازف.

في اليوم الميمون الذي يُحدد للعودة تجتمع العائلة في البيت الكبير للترحيب بالقادمين، يُفتح الباب الحديدي الثقيل على مصراعيه ويدخل الجمس بكامل هيبته ليتخذ موقفه في الكراج الداخلي في حوش المنزل، ذلك الباب يُسمى باب الكراج وهو أكبر أبواب منزل جدي الأربعة، باب الروضة، باب المسجد وباب الديوانية.

المنزل الكبير الذي بُنيّ في بداية السبعينيات من الحجر الجيري الأصفر بموقعٍ مميز في منطقة اليرموك، كان من أوائل المنازل في هذه المنطقة الحديثة حين ذاك، مقابل المسجد، عن يساره روضة الأطفال وعن يمينه فرع الجمعية الاستهلاكية، ذلك الموقع الذي ساهم بشكل كبير في تشكيل ذكرياتنا الطفولية وإتاحة الفرصة لتواصلنا مع الشارع الذي كان محرّما على الأطفال إلا في حال الذهاب مشيّا لحلقات تحفيظ القرآن في المسجد أو شراء السكاكر من الفرع أو الالتحاق بصفوف روضة الأطفال المجاورة التي انضم لها أغلب ابناء العائلة.

لم يكن جدي وجدتي يسافران لوحدهما بطبيعة الحال، بل بصحبة عمي وأبناءه وبعض المرافقين من ابناء عمومتي، كان الجمس يحمل في كل رحلة مالا يقل عن ثمانية أشخاص، بالإضافة للسيارات الأخرى التي قد تلاحقهم من الأقرباء في بعض الرحلات، لذلك، كانت العودة أشبه بالمهرجان.

ما إن يتبادر إلى أسماعنا هدير المحرّك ومزمار السيارة حتى نهرع للاستقبال، يدخل القادمون، تُفكّ الحبال وتُنزل الحقائب. كانت حقيبة جدتي الجلدية الكبيرة، ذات الخطوط المتقاطعة باللونين الأحمر والأبيض محط أنظار وترقّب الأحفاد وإن تكررت الهدايا بعد كل رحلة، إلا أنها كانت تجلب الفرح ذاته، لعبة صغيرة تارةً على شكل تلفاز وتارة على شكل كامرة بعدسةٍ نلصقها بأعيننا ونضغط عليها فتظهر صورًا متواترة للكعبة والمشاعر المقدّسة، زمزمية مخروطية الشكل ذات لونٍ بنيّ معبّأة بمياه زمزم، سلاسل ذهبية اللون من أسواق الجملة وسجادة صلاةٍ صغيرة، أحيانا قلمُ حنّاء أو أساور ملوّنة، الحقيبة الضخمة كانت تملئ بما يكفي بناتها السبع وأبنائها الأربع وأزواجهم وأحفادها والعاملين في منازلهم والأقرباء والضيوف المتوقع زيارتهم لتبريكات الوصول، لم تكن رحمها الله تستثني أحدًا من هذا الفرح.

          أما ختام موسم الصوايغ وهدايا السفر فيكون بعودة والدي من رحلة الصيد السنوية في بر سوريا والسياحة في حواضرها، والدي الذي منذ أن تفتق وعي على الحياة وأنا أودّعه أو أستقبله، كمن يؤرّقه البقاء كان يتوق دوما للسفر وسبر أسرار المدن البعيدة.

 إن كانت الفتيات الصغيرات يرون آبائهن على شاكلة سوبر مان الذي يحقق المعجزات أو العم دهب الذي يستطيع شراء كل شيء فإني كنت أرى والدي السندباد، المُرتحل المغامر.

يجيئنا بعد كُل سفر محملاً بالهدايا والغرائب، قطعر ملوّنة ومزركشة، أحذية غريبة مصنوعة بالأيدي المحلية، ثياب لم أرَ مثلها على أحد والكثير من المذاقات الجديدة اللاذعة.

كنت أنتظر لحظة افتتاح حقيبته التي تشبه مغارة علي بابا، ليفاجئنا بكل جديد، يلحظ اللهفة في أعيننا فيفتحها بُعيّد أن يلقي رحله وقبل أن يستريح.

          لم أزر سوريا، ولكن شكلها في ذاكرتي وخيالي متجسّد منذ الطفولة برحلات والدي والغنائم التي يجلبها من هناك، تنكات الزيت والزيتون والجبن الملتف بضفائر طويلة واللبنة المُكوّرة الحامضة، الملابس القطنيّة والبيجامات من سوق الحميدية، العلب المعدنية لحلويات سميراميس، زنود الست، عش البلبل، البرازق والبقلاوة التي تتكسّر في الفم مع كل قضمة، مقرمشة ومُحلا’، صوره في حمام نور الدين ملتفاً بالمنشفة ذات الخطوط السوداء, لفافات قمر الدين والفواكه المجففة والبزورات والملبّس والأعشاب التي تؤمن والدتي بأنها شفاءٌ لكل داء والتي يجلبها من سوق البزورية وملابس العيد التي كنت أباهي بها الأطفال لأن سعرها آلاف الليرات دون أن أعي بأن ألف ليرة سورية لا تعادل ألفَ دينارٍ كويتي!

ولأنه قد قيل بأنه سيأتي اليوم الذي يكون ندمك فيه على الأشياء التي لم تفعها أكثر من ندمك على أشياء فعلتها، فإن هذه العبارة تلاحقني كلما تذكرت دعوات والدي لنا لقضاء عطلات الصيف في مزرعة مستأجرة في أرياف سويا أو منزلٍ عربيّ في قلب دمشق القديمة، ولكننا كنا نفضّل برج إيفل على مآذن الجامع الأموي، وبحير زل أم سي على بحرّة أرض ديار، والكريب المغرق بالشوكولاته على المشمش والخوخ المحمّل على أغصان الشجرة، والبيتزا التيك أوي على الأطباق السخيّة في المطبخ الشاميّ.

أشعر بالندم على إضاعة هذه المسرّات الحسيّة التي كان من الممكن أن تؤثث ذاكرة طفولتي ومراهقتي، وحلّت محلها ذاكرة رمادية بلون مدن أوربا التي كنا نزورها خالية من المدهش والمثير.

خرائط، وُجهات الخيال

أحببت الخرائط، لُعبة الخرائط منذ كان والدي يفرشها على الطاولة فنلتف حوله لتحديد وجهة الرحلة المقبلة، كان اصبعي الصغير يتبع تعليماته كبوصلةٍ شغوفة بالاتجاهات، يستعين بخرائطٍ قديمة وكتيّبات أدلة السفر من بقايا رحلاته والنشرات السياحية التي يجمعها بتردده على مكاتب السفريات ومعارض السفر أو الأطلس المدرسي.

          الأطلس حيث كنت أختفي لأوقاتٍ طويلة بداخل القارات والبلدان والاحصائيات والتقسيمات الطبيعية والسياسية والاقتصادية للدول، لم يكن مقررًا علينا بعد، كنت استعير الأطلس الخاص بأختي الكبرى ذو الغلاف البني وكنت أحفظه، في أوقات اللعب أستعين به حين تأدية دور المكتب السياحي، أخرج هاتف من صندوق ألعابي وأضعه على طرف المكتب، مجموعة أوراق، كأس بلاستيكي للأقلام، دباسة وخرّامة، دفاتر تذاكر الطائرات المستعملة، كتاب دليل السفر الضخم الذي يصدر سنويا من الامارات للعطلات، صفحات الجرائد التي تحتوي إعلانات مكاتب السفريات والأطلس.

          كنت المرشد والزبون في الوقت ذاته، أهاتف نفسي، أطلب تنسيق رحلة تشمل عدة بلدان، أسجل عدد المسافرين واسمائهم التي اخترعها، أعطي لنفسي موعدًا للبحث وإعادة الاتصال اقرأ خطط الرحلات المحددة سلفًا في إعلانات مكاتب السفريات، أبحث عنها على وجه الخارطة في الأطلس، أميل بمسار الرحلة لليمين أو اليسار، أضيف وجهتين أو ثلاث، أحدد التواريخ على دفتر رزنامة العجيري، أبحث أسماء الفنادق من كتاب الامارات للعطلات، وأعيد الاتصال بنفسي كزبون لتسليم خطة الرحلة.

          على مقاعد الدراسة، برعت بالأمور الثلاث التي يكرهها غالبية الطلبة، قواعد النحو في اللغة العربية، المسائل الحسابية في حصص الرياضيات وتوزيع البلدان والمناطق على الخرائط في امتحانات الاجتماعيات والجغرافيا!

في غرفة معلّمات الاجتماعيات كان هناك سطل معدني كبير بداخله لفافات طويلة من القماش المقوّى لخرائط الكويت والعالم العربي والعالم الإسلامي وأوربا وآسيا والقارات والعالم أجمع، أطرافها العلوية والسفلية مشدودة على أعمدة خشبية لتثبيتها عند التعليق على المسمار بداخل الفصل، بعضها بحالة جيدة وبعضها كان منزوعا عند الأطراف لكثرة الاستعمال، عندما كنت في الصف الأول كنت أعتقد بأن تلك الخرائط تعود للعمالقة، نظرا لحجمها الضخم بالنسبة لخرائط والدي !

أحببت أيضا رسم الخرائط، كانت تعطيني احساسَ رحّالٍ قديم على متن مركبٍ خشبيّ ضخم, ينحني بجانب ضوء شمعةٍ مرتجفة، يغمس الريشة بمحبرته ويرسم الأرض كما رآها واستكشفها على رقعةٍ من جلدِ ظهر جمل، إلا أنني كنت أرسمها لتأدية الواجبات المدرسية على الورق الشفاف، بدقّة وتأنٍ باستخدام القلم الأسود المنساب الخاص برسم الخرائط وتلوينها بالألوان الخشبية.

          في الفصل، تتجاهل المدرسة اصبعي المرفوع بإصرار للإجابة على سؤالها: من يحدد موقع جبال أطلس على الخارطة المعلّقة؟ وتختار احدى الطالبات الاتي كن يلعنّ الخريطة والمدرسة وجبال أطلس في تلك اللحظة المشؤومة! ولطالما كنت أشعر بالخزي بيني وبين نفسي عندما اخطئ بتحديد مدينة ما أو بئر نفط أو اسم نهر في الاختبارات.

           مرّ أكثر من عقديّن ونصف منذ أن لمست الأطلس للمرة الأولى إلا أنني لم أتخلى يوما عنه، بعد انقضاء سنوات الدراسة والتخلّص من الكتب المُقررة ظل موجودا على الرف، عندما انتقلت لمنزل الزوجية حملته إلى مكتبتي الجديدة مع الكتب المفضّلة، وبالرغم من امتلاء محركات البحث بصور الخرائط، والسهولة والدقة باستخدام برنامج قوقل ماب والذي يتم تحديث معلوماته على مدار الساعة، إلا أنني لا أزال أحن إلى الأطلس الذي يشير تاريخ اصداره للعام 1979 واستخدمه رغم عدم حاجتي له.

لم تنتهي العلاقة الغرامية بيني وبين الخرائط هنا، ما زلت مشدودة لكل الأشياء التي تحمل رسم خارطة، حقيبة، مفكّرة صغيرة، قميص، قلم، غلاف هدايا، صحون بورسلانية، أكواب أو وسائد للأريكة، إن لمحتها في واجهة متجرٍ ما أو على رفوفه، لا أستطيع مقاومة إغوائها أو الامتناع عن شراءها.

الآن، أدرك بأن الخرائط كقوىً سحريةٍ ناعمة، كالنجوم البراقة التي تخرج من طرف عصى جنية سندريلا الشهيرة، ستلتف حول قدميك، ستزحف نحو قلبك وتسكنه، حين تشرعها لأول مرة لاختيار مدينة سفرك الأولى، ستظل تلح عليك، تراودك عن نفسك، تزين لك البلدان والمدن، ستظل تغويك بالمطارات والحقائب وأختام السفر، ستظل تعرض لك الوجوه والنكهات والأماكن، ستشغلك، ستشدك لها دوما، ستسر في أذنك، هيت لك، هيت لك، ثمة مساحات شاسعة على جسدي لم تسكشفها بعد.

حليب، اكتشاف سر النكهة

لبنٌ مصفى، سائغٌ للشاربين، شفيفٌ كأن لا وجود له، ماءُ الحياة ونبعها الأول، يُحسُّ كأنه روحٌ حنون تسري بين الأم والوليد، التحامٌ بعد انفصال، وعودة بعد خروج، حليبُ الأم، عتبةٌ أولى لولوج عالم المذاق والنكهة، منذ الصرخة التي نًعلن عن وجودنا بواسطتها، وقبل تكوّن الوعي، تدير الغريزة وجه الرضيع شطرَ صدرِ أمه، باحثا عن الغذاء والأمان، منذ تلك اللحظة ينشأ بيننا وبين أمهاتنا شعور مشترك بأنها الشخص المسؤول عن اطعامنا وتوفير غذائنا.

لا أحد فينا يذكر مذاق حليب أمه، ولكن ماذا عن الشعور الغامر بالمحبة والدفء الذي يغشانا حين نفكّر بأنفسنا ككائناتٍ صغيرة، بحجمِ ذراعٍ أو أقل، نتملّض من الجوع، نتحسس سقف أفواهنا ونبكي بعد يأس، فتظهر تلك المرأة السحرية المعبّأة بالحليب، نشتم رائحتها اذ تحتضننا، الرائحة دليلُ النكهة، ومخدّرٌ لنوبة الفقد، تحملنا فيتدفّق في أفواهنا لبنُها المُصفّى، كلبنِ أنهارِ الجنة، سائغٌ للشاربين.

          ولأننا نُفطمُ صِغارا، لا ننسى فقط مذاق حليب الأم، ولكن ننسى أيضا وجعَ الفِطام، أن تختفي من حياتنا وللأبد النكهة الأولى وأن لا نعود ملتحمين من جديد، بالجسد الذي خُلقنا منه، الفطام، لا ينهي هذا الثالوث، الطفل، الأم والطعام، بل تستمر الأم بتأدية دور الدليل في عالم النكهة، مالح، حامض، حلو ومر، كلٌ منا في ذاكرته مذاقات طيّبة للذائذ التي أعدتها والدته له في طفولته وشبابه، يحنُّ لكعكة الشوكلا الهشّة، شطائر الجبن، أكواز الذرة، صحون الأرز وأطباق الحساء، سواء كانت أمك طاهية ماهرة، أو بسيطة، سواء تذوقت الطبق في حياتك لمرّاتٍ عدة من أيدٍ مختلفة وبمعايير ألذ، تبقى الذكرى الأجمل هي المتعلّقة بالتجربة الأولى، التجربة التي دلّتك عليها والدتك.

          إن كنت تبحث عن الطعام منذ ولادتك كحاجة فسيولوجية لإسكات الجوع، فإن الأم تقدّمه منذ ذلك اليوم كتعبيرٍ صافٍ عن الحب.” شنو تبون تاكلون؟” هذا السؤال في لغة الأمهات يعني ” أنا أحبكم, أنا أريد أن أمارس حبي لكم ” لا يعني فقط أريد أن أطعمكم. المرأة في الحب تتحول لكائن لا يستطيع التوقف عن العطاء، عن ابداء الحب بواسطة المنح، المنح الذي يفيض عن حاجة الممنوح، ومن خلال الطهي تتجلى أمتع صور المنح بالنسبة لبعضهن.

بعد الزواج وخوض تجربة الأمومة، التحول من كائن متلقٍ للحب إلى كائنٍ مانحٍ إياه، فهمت لماذا لا تستطيع والدتي الكف عن تقديم الطعام أو اعطاء خيارات تقديمه لنا ولوالدي. فهمت لماذا تعد الوجبة التي يحبها أحفادها بمجرّد أن تتنبأ باحتمالية زيارتهم، فهمت اللغة التي تتحدث فيها يدّها أثناء اعداده وتقديمه ومشاركته، فهمت كيف يكون تقديم الطعام بمثابة تعبيرٍ فائقٍ عن الحب والاحتواء، كما فهمت أيضا لماذا يزداد وزن أبنائي وتبرز وجناتهم بمجرد قضاء عدة أيام في منزلها أثناء سفري! تعلمت من والدتي، ومن تجربة أمومتي، أن الطهو من أبلغ طرق التعبير عن الحب.

في السفر، وجدت ذلك أيضًا مع المُدن، مانحة المذاقات الجديدة، المدن التي تحصد أرضها وتوقد النار تحت قدورها، وتشمّر سواعدها لتطهو اللذة وتقدمها لزائريها، ستظل النكهات تربطك بالمدن، مثلما تربطك بمانحتك الأولى، والدتك.

أوانٍ محرمة، الممنوع والمسموح

في مكتبة بيضاء صغيرة ذات واجهة زجاجية تشف عما بداخلها من أوان جميلة، خلف الباب المقفل دوما لغرفة الاستقبال، كانت والدتي تحتفظ بطقمها الخزفي الكامل بالحواف المذهّبة والزهرة الزرقاء المرسومة على اطرافه برشاقة، طقم متكامل أنيق بقطع كثيرة، ستة أكواب، ستة صحون للسلطة، ستة صحون للغداء، آنية مقعّرة للحساء، ابريق للشاي اناء للحليب، صحن للزبدة وستة أوانٍ مقعّرة صغيرة، كان هناك أيضا كؤوس كرستالية بأقدام سوداء مرتفعة ورشيقة، نختلسها أنا وأختي في الأوقات التي تنسى فيها والدتي الباب مفتوحا ونتظاهر بالشرب على طريقة الأفلام بحملها بين السبابة والوسطى وضربها ببعض، يطربنا الرنين الصادر، تمنحنا تلك المغامرة شعورًا بالفخامة والعظمة.

كنت أنتظر المناسبات التي يحتفي فيها منزلنا بالضيوف لأستطيع تناول الطعام بهذه الأواني المحرمة، والتي لطالما رأيتها تشبه أواني القصور والموائد الفاخرة التي أشاهدها في التلفاز، لم تكن والدتي تستبدل طقمها الثمين هذا بآخر، طوال ما يجاوز الخمسة عشر سنة، كان هو الطقم الرئيسي لإكرام الضيف وابهاره، قبل أن تحتاج لطقم آخر يكفي لأثنى عشر شخص خصوصا بعد الانتقال لمنزل أكبر، يسع لعدد أكثر من الضيوف.

كانت تشعر دوما بأن الطقم الذي تملكه هو الأكثر جمالا على الاطلاق. وهذه هي طريقتها الدائمة بالشراء، تشتري أشياء قليلة ولكنها جميلة جدا، باهظة ومميزة، إيماناً منها بأن ذوقها الرفيع صعب الارضاء. لم أرث منها تلك الخصلة بل على عكسها، لطالما أسرفت في الشراء.

خلال السنوات القليلة التي سكنت فيها منزلي واستقبلت ضيوفي، كنت نادرا ما أعيد استخدام ذات الأواني، في فترة وجيزة امتلكت عشرات الأكواب والصحون والأباريق والكؤوس، وحرصت على التجديد والابتكار في كل مائدةٍ أدعو إليها الأصدقاء، حملت الأطقم معي في الأسفار، طلبتها من مواقع البيع على الانترنت، جمعتها من الأسواق وأخفيت بعضها عن زوجي الذي بدأ بالتذمر من هذا الهوس، أوانٍ من القيشاني الدمشقي، بورسلان إزنك التركي، النحاس الهندي، الليموج الفرنسي، السيراميك الإيطالي والخزف الإنجليزي، إلا أنني ما زلت أؤمن بالطقم الذي امتلكته والدتي وحافظت عليه، كأجمل ما تناولت الطعام به.

          وفي مقابل أواني والدتي الفاخرة الأنيقة، كانت الأواني في دوانية والدي والتي يحملها معه من الأسفار وإلى الأسفار ملوّنة، غليظة، معدنية، مصنوعة من فخّارٍ يدويٍ سميك صناعة بلدية، أو أنتيكاتٍ صدِئه! كان هناك بكارج نحاسية للقهوة تلتف قطع من الجلد الأسود على مقابضها، قدور ضخمة، صوانٍ محفورة بنقوش تراثية وفناجينٌ مُختلفٌ ألوانها، كل قطعةٍ منها نجت من رحلةٍ ما ولم تكن محرّمة على الاطلاق، بل كانت من المكونات الأساسية التي نعتمد عليها حين تشيد مطابخ بيوتنا للعب.

فيلم بالأبيض والأسود،

          اعتدنا على قضاء نهار الجمعة في منزل جدتي لأمي, بعد تناول الغداء نجتمع حول التلفاز بانتظار الموعد الأسبوعي لعرض الفيلم المصري بالأبيض والأسود على القناة الرابعة.

” طيب حالا, أنا جايه السرايا مش هتأخر ” تُغلق البطلة سماعة الهاتف, يتحول المشهد للبوّاب وهو يفتح البوابة الحديدية فتسرع السيارة السوداء الفاخرة وتقف أمام المدخل لتنزل الست هانم بكامل أناقة الخمسينيات حيث ينتظرها الباشا الكبير بالداخل.

           في أغلب الأفلام المصرية التي تناولت تلك الحقبة كانت الأسر الغنية تسكن السرايات وتقضي أيام العطل في العزبة- الريف- واطلاق اسم السرايا على الفيلات الفخمة مأخوذ من الكلمة التركية التي تعني القصر.

تلك الفيلات مؤثثة على الطُرز الفرنسية والإيطالية حيث الأرجل الدقيقة للكنبات والشابوهات المزمومة للأبجورات والطاولات الرخامية المستديرة أمام المداخل, في واجهة الصالون ينزلق درج فخم يتفرّع إلى جهتين يُستغل في اظهار جمال البطلة واطلالاتها وهي تستخدمه للنزول مع موسيقى رومانسية, في الفراغ الذي يلتف الدرج حوله يكون موضع البيانو, مثل الذي يعزف عليه عبدالحليم حافظ بينما يغني أهواك وأتمنى لو أنساك في فيلم بنات اليوم,  وعادة ما تكون هناك ستائر شفيفة تغطي المداخل أو الممرات.

غرف النوم فسيحة, بأثاث لا يقل رقّة ولا أناقة عن أثاث الصالون, ثمة تفاصيل منقوشة أعلى الدواليب والمرايات التسريحة, ملائكة صغار, عناقيد عنب أو أشرطة معقودة متدلية, تنتهي الغرفة ببلكونات كبيرة ترفرف ستائرها الحرير التي من نسمة شوق بتطير كما تقول شادية, تستغلها البطلة للهروب في موعدٍ غراميّ أو التهامس مع الحبيب في الليالي المقمرة.

كانت تشدني أيضا غرف المكتب, حيث يجلس البطل خلف المنضدة يكتب رسالة أو يفتح تلغراف مهم وصله للتو. المكاتب مزخّرفة ومذهّبة, أقدامها منتفخة من الأعلى, منبعجة للخارج ثم تضعف في الأسفل بصورة انسيابية, لطالما تمنيّت تأثيث غرفتي الخاصة بالقراءة على طريقة غرف المكتب في تلك الأفلام.

على مدار سنوات, شاهدت وحفظت عشرات الأفلام المصرية القديمة, ولا استطيع انكار حقيقة أنني تربيت عليها, استقيت منها العديد من المفاهيم الحياتية الساذجة والبسيطة والمغلوطة والمعقدة والصحيحة, كنت أفسرها وفقًا لفهمي الغض وسنواتي القليلة, أغرمت بفساتين فاتن حمامة ورقة مريم فخر الدين وشقاوة فيروز الصغيرة وأغنيات شادية, وبجانب ذلك تمنيت العيش في السرايا التي انتقلت إليها نعيمة عاكف في فيلم أربع بنات وضابط بعد مغادرة الملجأ, أو التي عاشت فيها ليلى مراد في غزل البنات, أو التي زُفّت فاتن حمامة عروساً على سلالمها في سيدة القصر.

          تلك الأمنية الطفولية, والانبهار المستمر بجماليات المكان في الأفلام الأبيض واسود كانت انطلاقة شغفي واهتمامي بالديكور والسعي للكمال في تأثيث منزلي, بعد ذلك جاءت المسلسلات التي تابعتها مع والدتي, مثل هوانم جاردن ستي اللاتي عشّن في سرايا محمود بك الشاذلي الملوّنة, والشقة الأنيقة لأبلة حكمت في الإسكندرية وسرايا نازك السلحدار في ليالي الحلمية, ساهمت الألوان في بلورة هذا الشغف, فأصبحت الديكورات التي شاهدتها بالأبيض والأسود ملوّنة, أخضر قانٍ, عنابي, نقوش ذهبية وثريات لامعة. أصبحت اللوحات المعلقة التي تتركز الكامرة عليها في بداية المشهد أوضح, والفازات على طاولات الطعام أجمل.

          بعد ذلك ابتدأت الرحلة, وجاءت المتاحف والقصور التي اصطحبنا لها والدي في الأسفار, كانت أولها والمستقرة  في ذاكرة الطفولة قصر بيت الدين بلبنان وقصر الشونبرون في فيينا.

الحياة من وجهة نظر أدبية

ما العلاقة بين تذكرة السفر, الخرائط, الأواني, الصوغة, السرايا والحليب؟

في السنوات العشر التي تسبق شروعي في تدوين هذا الكتاب, تركّزت حياتي حول السفر, الطهي, الأمومة, القطع الفنية, الديكور, اعداد الموائد واستقبال الضيوف, بزمن قصير وجدت نفسي أماً لخمس أطفال, ركبت الطائرة عشرات المرات, ابتعت عدداً لا متناهيٍ من الأكواب والصحون والملاعق والنحاسيات واللوحات والمفارش وجرّبت اعداد قائمة طويلة من الأطباق الفاشلة والأطباق المذهلة.

هذا الكتاب, تدوين لذاكرة السنوات العشر, واتصالها بالذاكرة البعيدة, فلنقل أنه طاولة قهوة تلتقي حولها المرأة التي أنا عليها الآن, والطفلة التي ساهمت ذكرياتها بتشكيل حياة هذه المرأة.

أردت أن أحتفظ بهذه التجربة والكتابات المتفرّقة التي نشرتها حول السفر والطهي وتأثيث المنزل في برامج التواصل الاجتماعي, أن لا تجرني الحياة في مسؤولياتها المتعاظمة ومتطلباتها المتزايدة فأنسى, أنسى بأنني سافرت لمدائن جميلة, أعددت أطباقاً شهية, ابصرت الدهشة في التفاصيل العادية, واستشعرت المعاني الجميلة.

أنت أيها القارئ, قد تجد بعض ما يشبهك هنا, قد ترى شيئًا من ملامحك, فالتجربة الإنسانية تجربة متشابكة, هنا شيءٌ من الذاكرة الجمعية الشائعة وشيءٌ من الذاكرة الحميمية الخاصة.

هذا الكتاب لا تحاول تصنيفه ضمن كتب التاريخ فلستُ مؤرّخة, أو وصفات الطهي فلستُ شيفًا أو كتب قواعد التصميم فلستُ مهندسة, ليس كتاباً في الاتكيت وآداب المائدة أو دليلاً سياحي, فلنقل, أنه جنسٌ جديد من أجناس أدب الرحلة هذا الكتاب هو تلخيص لتجربة تعاطي الحياة والسفر كحالة ثقافية وفنية, ربط أحداثها وأمكنتها بالقراءات الأدبية والنصوص والشخوص, طريقةٌ من طرائق وأساليب العيش والترحال.

قبل أن تقرأ وتشاهد, شرّع قلبك لتبصر..

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s