منزلك، سجل ذاكرتك

في كل سفر أفتح ذاكرتي كحقيبةٍ نهمة, أعبأها بالذكريات على هيئة أصواتٍ وروائح وألوان ونكهات, حتى اذا ما اشتقت لمدينةٍ ما, استحضرتها عبر اللذات الحسيّة التي خلّفتها في روحي.

ارتبطت عندي بعض الألوان ببيوتٍ ما, الأصفر ببيت دوما وبيت القمر ومسرّات الجبل اللبنانيّ, العنابي بفنادق فيينا الفاخرة وبالميرا وبيرا بالاس, السماويّ بشفشاون ورياض شريفة والزهريّ الفاتح بألبيرغو, ارتبطت عندي مذاقاتٌ بعيّنها بجلساتِ الغداء أو العشاء والأحاديث الحميميّة التي تكثر في الأسفار, صرت أعدّ الميلانزاني إن اشتقت لإيطاليا والطاجين ليأخذني إلى مرّاكش, أحمل معي من الأسفار زجاجات العطر المستوحاة من روائح المكان, لأرشها إن أردت استحضار الذكرى, صرت أبتاع شتلات الياسمين في الخريف تيمّناً ببيوت جبل اللويبدة وأملأ منزلي بأشجار بنت القنصل الحمراء في الشتاء, في الصباحات التي استيّقظ فيها وقد راودتني بيروت عن نفسي, استمع لفيروز, وإن اشتقت للإسكندرية أعدت مشاهدة زيزينيا أو أوبرا عايدة, لكل حالة شوّق اخترعت الدواء المناسب.

حملت معي من الأسفار ما يمكن حمله من روح المدن, حوّلت غرفات بيتي لمتحفٍ شخصيّ, أحشو زواياها بالقطع الفنيّة, كل قطعة تسكنها ذاكرةٌ ما, تتمثل فيها قصةُ حياةٍ أو موروثٌ حضاري, علمتني البيوت التي زرتها أن أنتقي أثاثي بعناية ولا أستعجل لا أبحث عن القطع بل ألتقيها بالصدفة, في متجرٍ عتيق أو سوقٍ منسيّ, قضيّت سنواتٍ بتأثيث منزلي ولم يكتمل بعد, ولن يكتمل أبدًا, منازلنا تنمو وتتشكل معنا, ظلّ منزلي مثلي تواقًا للجمال, كلما أضفت له قال هل من مزيد؟

العالم يمدني بروائعه وفنونه, أغيّر حسب بوصلة قلبي واتجاهها, أركانٌ لمدنٍ زرتها ومدن لم ازرها بعد, كلما نظرت إليها أشعر بالامتنان لاحتشادها على ارفف مكتبتي, دواليب مطبخي, جدران صالتي وصناديقي المغلقة, أشعر بالامتنان للوحات والمفارش والسجاجيد وفازات القيشاني وتماثيل الخزف ومزهريات الأوبالين وأبجورات النحاس ومرايات الصدف وأكواب الشاي الأنيقة والأباريق الانتيك.

لا اعزل القطع ولا أخبئها بالرغم من امتلاء منزلي بالأطفال والضجيج والركض والشجارات البريئة, إلا أنني أحب أن تتفتّح أعينهم على الفن والجمال, أن يكون قريبًا منهم على الدوام, أن يستطيعوا تأمله ولمسه, أحب أن تعتاد أرواحهم على الانغماس به وأن أحكي لهم عن تاريخ قطعةٍ قطعة, عن ذاكرتي التي احتفظ بها على شاكلةِ تحف. لا أنكر بأنهم سكبوا القهوة على السجّادة الأصفهانية ولا انهم كسروا الفازة الدمشقيّة ولا أنهم تسببوا لمجموعتي الثمينة ببعض الخسائر, ولكن لم أستطع يومًا أن اتخيّل منزلي من دون الأشياء التي شكّلت روحه.

لم أجرؤ أن أتحلّى بصبر والدتي وقدرتها على طيّ السجاجيد التي حملتها معها من إيران والاحتفاظ بها بعيدًا عن أقدامنا إلا في الأعياد والمناسبات والزيارات المهمة.

لطالما كانت النصيحة التي أقدمها لكل من يسألني عن تأثيث منزله ” لا تستعجل ” الرغبة في الانتهاء من تأثيثه تدفعك لاختيار قطعٍ لا تعجبك, قد تكون جميلة ولكنها لا تشبهك, منزلك هو انعكاسك, هو متحفك الخاص وسجل ذكرياتك الذي تعيش بداخله.

عندما تتعامل مع منزلك على هذا الأساس, ستهتم بتفاصيله أكثر, ستقف طويلاً أمام أريكةٍ أو برواز قبل أن تتخذ قرار الشراء, لن تستعجل حمل القطعة معك ولن تستخسر ثمنها, ستختار دومًا القليل الدائم, الأصيل المتفرّد, القطعة التي تملك القدرة على اسعادك كلما نظرت إليها, وستقع يومًا ما بغرام شيءٍ يشبهك من أول نظرة, المنازل المتاحف لا تكتمل من أول زيارة لمتاجر الأثاث ولا بوحيّ الكتالوجات التي توزّع مجانًا, المنازل الشخصيّة جدّا تكتمل مع اكتمال شخصيّتك, تواكب ذوقك وتغيّرات مزاجك, تنضج بنضج مشاعرك اتجاه القطع والتحف التي تجمعها على مهل.

تعرّضت للوّم كثيرا بسبب هذه الطريقة بالشراء, ” تبتاعين الباهظ وعديم الفائدة, ثمة ما هو أرخص وأقدر على أداء وظيفته بالمنزل” , ولكن إن كان الفن محض تسليّة بالنسبة للبعض, كمالياتٌ زائدة على الحياة, فهو بالنسبة لي أصلُ العيش, هو الحقيقة التي يمكن لي أن أستريح في ظلها, أعانتني تلك الأشياء الجميلة التي أحيط بها نفسي على تجاوز الحزن في الكثير من الأحيان, كانت قريبة مني على الدوام, وقادرة على منحي احساسًا بالراحة والمتعة واغراق روحي بالجمال.

الآن, عندما أدخل منزلي بعد يومٍ طويلٍ بخارجه, أجده خليطًا من تلك المنازل الفنية التي سكنت ذاكرتي, المنازل التي شاهدتها في الأفلام والمسلسلات والقصور التي زرتها والفنادق البوتيكية التي نزلتها والصور الملهمة التي لطالما ادمنت التمعّن في تفاصيلها, أجده خليطًا مني.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s