اتبع قلبك

يا قارئي المُبجّل، اتبع قلبك، أنا قلبي يأخذني على الدوام لمدائن الشرق، قلبي يشدّني نحو الحكاية والأسطورة والخرافة والذكرى، في مدائن الشرق، وجدت الحكاية وسهولة الوصول إليها، وجدت الترحاب من القلب والحفاوة والاحتفاء وحرارة المشاعر، وجدت الحياة متروكةً على سجيّتها دون تشذيبٍ أو اهتمام بما يجب فعله وتغييره لإرضاء السيًاح واجتذابهم.

مدائن الشرق مضيافة، وبيوتها كقلوب ساكنيها مفتوحة، رحيبة ومُهلية على الدوام، تستفيض حنانًا باستقبال الضيف، كأمٍ رؤوم تحتفي باللقاء، أينما وليت وجهك في مدينةٍ عربية، أينما طرقت فيها بابا إلا وأتاك منه صوتٌ مستبشرٌ: أهلا وسهلا

في مدائن الشرق، كنت أجد روحي تطمئن في حضرة الأذان، وتستلذ على كل مائدة، وتُطرب لكل أغنية، وتسعد بأي صحبة، وتنتمي لكل بيتٍ وشارعٍ وقصيدةٍ وأسرة.

لقد زرتها، زرت القصور والمتاحف والفنادق الأسطورية على امتداد مدن أوربا، زرت فرساي والشون برون وبعضًا من قصور اسبانيا وألمانيا ولندن وايطاليا، مررت تحت الأقواس المذهّبة والبوابات المهيبة, مررت بجانب تماثيل الرخام وسرت بمحاذات الملوك والدوقات والنبلاء, امتلأت القاعات حولي باللوحات التي لا يمكن تقدير ثمنها والأسقف فوقي بالثريات البلورية والجدران التي تحيط بي بالزخارف والنقوش والمنحوتات، زرتها إلى أن امتلأت عيناي منها وادركت بأن حجرةً بأثاثٍ شحيح والكثير من الضوء والخضرة في منزلٍ عربيٍ قديم تستطيع تختزل بين جدرانها الأربع كل ما أوتي الانسان من قدرةٍ على اختزال الجمال، وصدّقت بائع الانتيك الدمشقي الذي قال لي ذات يوم يلي بيفهم بالفن العربي مستحيل يعجبو شي تاني “.

أسلمت روحي للمرأة الشرقيّة التي تلبّستها، كانت تلازمني حتى عندما أخطو خارج حدود العوالم المشرقيّة، تخضّب شعري بالعودِ والمسك، تدسّ في جيبي القصائد وتغني في أذني الموشحات، تبحث لي عن غرفةٍ مغربية في قصرٍ فرنسيّ أو لوحةٍ عثمانية في متحفٍ لندنيّ أو مرآةٍ من الصدف الدمشقيّ في فندقٍ إيطاليّ، كان حدسها يأخذ بي إلى المشرق حتى عندما أوليّ شطر الغرب.

لقد تذوقت مدائن الشرق، جربتها، تشربّتها، أسكرتني، تغلغلت في مسامي، انها مدائنٌ تشعل الحواس، تحركها، تستثيرها، تلهبها وتزيد من حساسيتها، تُشبع العين بالألوان والأنف بالروائح واللسان بالنكهات،هناك، خصوصًا في الأجزاء القديمة منها، هناك يتجمد الزمن، في أزقتها تخال بأنه لم يجرِ، لم يمر ولم يذهب، كل شيءٍ فيها غواية، كل شيءٍ متروكٌ على سجيته، نشأتها الأولى كما كان في البدء، هذه الحالة من النقاء هي ما يعيدني دومًا للمدن العربية العتيقة.

هناك لايزال الناس على ما تركهم آباءهم، يتناقلون الطقوس والأفكار، يرتدون ملابسهم الأصيلة يسكنون بيوتهم التراثية ويتماهون مع الزمن الذي يمر علي مدنهم ولا يغير فيهم ولا فيها شيء. كما لو في الخيال، في لوحات المستشرقين، في أقاصيص ألف ليلة في رواية شهرزاد، كما لو أن ليس ثمة ما يفصل المُتخيل عن المُعاش، هكذا تبدو.

فُتنت بالبيوت العربية، بفلسفة عمرانها المستقاة من الوصف القرآنيّ للجنة، بيوتٌ مزروعة بالأشجار المثمرة، قطوفها دانية ويجري فيها الماء عبر نوافير، معمّدةٌ برائحة الزهر، وصوتها تغريد الطير كل حين، بيوتٌ تأنس فيها الروح وتسلى، أصبحت لا أتخيل مرور عدة أشهر دون الهرب لقضاء بضعة أيامٍ في بيتٍ عربيّ، أنغمس بملذاته في الصباح واعود له حين يغيض الناس في بيوتهم، يقفلون دكاكينهم ومصالحهم وتنام المدينة في الليل.

في زمن رحلتي, لم تكن الأرض العربية مبسوطةً متصلة، لم أستطع أن أنّعم بترف المستشرقين والخواجات والرُحّل الأولين، لم استطع أن أحمل متاعي وأهيم في الأرض من سواحل المغرب إلى سواحل اليمين، كانت البلدان إلا من رحم ربي مزروعةٌ بالقنابل والحروب والنزاع، ملأتها الحواجز والأخطار والويلات، وقّعها في القلب والذاكرة ما أعذبه، ووصلها مستحيل، القدس، نابلس، صنعاء، بغداد، حلب، سيناء وفي وقتٍ ما كانت القاهرة وتونس وبيروت أيضًا، رحت أستعيض عن السفر إليهم بالقراءة عنهم، بمشاهدة الصور والأفلام والتحسّر على الماضي الذي يفوق الحاضر هناءً وجمالا.

يا قارئي المبّجل، لا تتبعني، اتبع قلبك، إن كنت تحب أن تستريح في ظل الخدمات الوافرة والفنادق الفاخرة والسياحة الممهّدة والطرقات السالكة والالتزام الصارم بالقوانين, إن كنت تريد أن تتسوق من الآوت لت وتأكل البرغر وتسرّ عيّنيّك بالخضرة والماء وتريح رأسك باستقلال الباصات السياحية ذات البرامج الجاهزة, فالرحلة رحلتك. في بعض الأحيان, كنت أتلقى رسائل الاستياء من المتابعين في برامج التواصل الاجتماعيّ, زرنا المكان الذي كتبتي عنه, لم يكن مهيّئًا, لم يكن نظيفًا, لم نُعامل باحترافية كسيّاح .. الخكنت أعتذر بالرغم من أنني لم اخطئ, كل ما كنت أفعله أنني أكتب عن المتعة التي منحتني إياها المدينة عندما رأيتها بعيني وعين الذكرى, المدن التي لا تعجبني لا أكتب عنها, هكذا ببساطة, لا أصف مدينةً ما بأنها غير جميلة, المدينة التي أزورها ولا تعجبني أقول بأنني لم أرها أو لم أفهمها جيّدا, كل مدينة هي جميلة بالنسبة لشخصٍ ما, شخصٌ آخر ليس أنا بالضرورة, وقد لا يكون أنت.

حين تراودني نفسي عن السفر، لا أبحث عن أغرب الوجهات، أبعدها ولا أندرها زيارة، لا يهمني أن أعدد الدول التي زرتها وأتباهى بتضاعف العدد كل عام، أنا أجر حقاءبي باتجاه المدن التي تقر فيها روحي وتستكين، أنشد الدفء والحميمية والهناءة، المدن العربية وهبتني ذلك كله، لهذا هي وجهتي المفضلة على الدوام.

اتبع قلبك

فيما يتعلق بالسفر أنا أؤمن بأن التيه يدلّك على الطريق, ليس التيه في طرقات المدينة فقط والاندساس في شوارعها الخلفيّة, بل حتى في مواقع البحث وكتب وتطبيقات السفر والمجلات ومنصات التواصل الاجتماعيّ, في كل بحثٍ وتيه, تجرني معلومةٌ إلى أخرى وتكشف لي سرًا جديدا, أدراجي ومذكّراتي ممتلئة بالقصاصات التي دوّنت عليها اسماءً لفنادقٍ وقصور ومكتبات في مدنٍ قد لا أزورها يومًا ولكنها استوقفتني فاحتفظت بها لعلي أحظى بوصلها ذات يوم.

كثيرً ما أُسأل حتى من قبل سائقي الأجرة, ” من أين تأتين بهذه الأماكن؟ ” اجابتي دومًا هي البحث, مشاهدة الأفلام الوثائقية على اليوتيوب وخصوصًا التي تعدّها قناة الجزيرة الوثائقية, متابعة مجلات السفر ومدوّنات الرحالة وشراء الكتب الأجنبية المتخصصة بخبايا المدن وأفضل أوقات ومواسم زيارتها, بالإضافة لكتب الأدبّاء المرتحلين , هم عادةً يُسافرون بشاعرية. واليوم, ليس أسهل من متابعة مصوّر محترف مغرم بمدينته على الإنستغرام ليكشف لك عن أجمل ما فيها.

ليس من الممكن أن تحظى برحلةٍ استثنائية لمدينةٍ ما حين تعد جدولك بناءً على القوائم الجاهزة التي تشير لأفضل أماكن التسوّق وأجمل اطلالات المطاعم, تحرر من الخرائط ومن الأسماء التي أمليّت عليك, من وصايا الأصدقاء وتوجيهات موظف الاستقبال في الفندق والمنشورات السياحيّة التقليدية, اختر منها ما يناسبك وتجاهل الباقي.

2 thoughts on “اتبع قلبك

  1. كلماتك عذبة جميلة رائعة تعبر عن وجهة نظرك البسيطة بكل وضوح واعجبتني جدا عبارة ل مدينة هي جميلة بالنسبة لشخصٍ ما, شخصٌ آخر ليس أنا بالضرورة, وقد لا يكون أنت

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s