المدن كحالة أدبية

لكُلٍ سفره ورحلته، لكلٍ منا ما يبحث عنه ويسعى وراءه حين يحمل غربته ويمضي بعيدًا عن وطنه، أنا أشدّ رحلي شَطر الحكاية حين أسافر، حكاية المدينة، ذكراها، شخوصها وذكرياتها، الزمن الذي يروى في أروقتها وبيوتها وأسواقها، والزمن الذي رُوِيَ عنها في الكتب.

المدينة، أي مدينة أمد إصبعي لأشير نحوها على الخارطة وأقول وقد رفّ قلبي: ستكون وجهتي المقبلة، إنما أراها كحالةٍ أدبية، كنصٍ مُتجلٍ في كتاب، لا بد من فك كلماته وقراءته حين زيارته.

ما أؤمن به في هذا الخصوص، أننا لو جردنا المدينة من حكايتها، لو مررنا بها دون أن نتعرف عليها، لو اكتفينا بمصافحتها واحتساء القهوة في مقاهيها وارتياد الأماكن المعدة سلفًا للسياح العابرين، لغادرناها غرباءً كما أتيناها.

وأنا أفضل أن يكون لقائي بالمدينة لقاء الروح بالروح، الذكرى التي تضاف على الذاكرة، والحكاية التي لم تطوَ صفحتها بعد، أحب أن آتي المدن كعاشقةٍ قديمة، كعارفة، أو كمُتعرّفة على الأقل، أن انبش آدابها، قصائدها، أقاصيصها في كُتب الرحّالة والأفلام التي صُوّرت بها وعنها، وحتى الأغنيات المُغنّاة في حُبها وجمالها.

التعرّف على مدينةٍ ما قبل زيارتها، يجعل من الرحلة تجربةً مغايرة تمامًا، يجعلك كالمُغترب العائد لوطنه، مثقلاً بالشوق والحنين لا كالغريب القادم للسياحة، يجعلك تشير بشغف وبعيونٍ تلتمع فرحًا لكل الأشياء التي عرفتها قبل أن تلتقيها، كمن جاء بذاكرةٍ حاضرة، وإن كانت مُستعارة من الآخرين، أقصد الذين كتبوا وحكوا عن تجربتهم فيها.

رضوى عاشور شرحت هذا المعنى بعبارةٍ موجزة حين قالت “تكتسب الأماكن فجأة معنىً جديد حين نتعرّف على حكايتها”

جرّب قبل السفر إلى إسطنبول مثلا عبر الطائرة، أن تسافر لها عبر كتاب أورهان باموق “إسطنبول، الذكريات والمدينة” وقبل أن تجنح نحو القاهرة ان تراها في روايات نجيب محفوظ، وأن لا تحزم حقيبتك للبنان دون قراءة “بيروت المدينة المستمرة” لزاهي وهبي، وأن لا تعدّ خط سفرك للجنوب الاسباني دون الانغماس برائعة رضوى “ثلاثية غرناطة”، والأمثلة في هذا أكثر بكثير من أن تًحصى بمقال.

الأدب هو الصانع الأول للأساطير، هو المخلّد لها والمسبب لاستمراريتها، وهذا ما فعله الأدب مع المدن أيضًا، الكثير من المدن كسبت أهميتها بسبب ما كُتب ورُويّ عنها، خذ مثلاً أسطورة روميو وجولييت التي ألّفها شكسبير واتخذ من مدينة فيرونا الإيطالية مسرحًا لأحداثها، فجعل منها قبلةً يحجّ لها العشاق ليلوّحوا من شرفة جولييت كما لوّحت هي لروميو في الحكاية، أو مدائن الشرق التي زارتها أغاثا كرستي وجعلت شخوص رواياتها ينامون في فنادقها ويأكلون في مطاعمها ويُقتلون بظروف غامضة أثناء ترحالهم بين عجائبها، فانكبّ المريدين من أقطار الغرب لاستكشاف هذه المدن التي قرأوا عنها.

ولكن، كيف يتأتّى لنا ذلك، كيف نخلع عن المدينة حاضرها ونسمو بها لمرتبة الخيال، أن نجعلها تطفو على الواقع لتتحد بمكانتها الأدبية.

أكاد أجزم بأنك وأثناء القراءة، قد استحضرت عددًا من روايات أو الأفلام التي حرّضت في نفسك رغبة السفر لمدينةٍ ما، هكذا يحدث الأمر، هكذا مثلما يضفي الأدب السحر على كل شيءٍ يمسّه، هو يفعل بالمدن.

ليس المطلوب أن تقرأ في أدب الرحلات فقط، من واقع تجربتي فالروايات تفوقت تمامًا في المتعة السردية للمدن، في ذكر تفاصيلها وكشف أسرارها، خصوصًا وأن ادب الرحلات يُكتب من الزائر المستكشف أما الرواية التي تجعل من مدينةٍ ما بطلاً أساسيا من أبطالها، فإنها تُكتب بواسطة المُحب، الشغوف والمتيّم بمدينته.

وربما عليّ أن أختم بذكر حقيقةٍ لابد منها، الأدب لا يُجمّل المدن فقط، بعض الأدب يعرّيها، يكشفها، ويفضحها، يرينها سوءاتها وقسوتها ووجهها الخبيء المستتر عن السائحين، هذا الأدب لا يمكن اغفاله أو تجاهله سعيًا وراء المتعة في تحويل المدينة لحالةٍ أدبية نشوى، هذا النوع من الأدب يجعلنا نفهم ما قد يسوئنا ويغضبنا عن زيارة مدينةٍ ما.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s