سالزبورغ: السير على نوته موسيقية

صوت الموسيقى

          هل زرتم من قبل نوتة موسيقية؟ هل مشيتم كالعلامات السوداء الصغيرة على سلالم الدرج الموسيقي الخمس؟ كانت سالزبورغ هي المدينة التي وجدتها على هيئة نوتة موسيقية عندما زرتها, ورحت أحلّق في تراثها الموسيقيّ كمعزوفةٍ منبثقة من مفاتيح آلة بيانّو.

          في سالزبورغ استضافتني عائلة ” تراب ” ربما لن تتمكنوا من تذكر الاسم ولكن من منكم يستطيع أن ينسى ماريا أو الآنسة صفاء في النسّخة المدبلجة من المسلسل الكرتوني ” لحن الحياة ” ؟ من منكم لم يتابع بشغف حكاية الأبناء السبعة للبارون المنضبط جوج فون ومغامراتهم الموسيقية في أرجاء المدينة الريفية الوادعة؟

قصر ليبولدسكرون وأمامه البحيرة حيث صُوّرت مشاهد الفيلم

          أتذكر جيدًا كيف كنت أعيد الفيلم Sound of music  في طفولتي لمراتٍ ومرات, وأحلم بالجبال الخضراء والفساتين الريفية وأفرد ذراعيّ علّهما تأخذاني كجناحيّن إلى هناك وأردد ” في الدروب , هّيا نغني , في الحقول هيا نغني , ينطلق لحن الحياة

          ما بين المسلسل والفيلم مثلت لي الأنسة ماريا / صفاء إحدى الشخصّيات المحببة, بلكنتها الإنجليزية المميزة وشعرها الأصفر القصير وابتسامتها المفعمة بالحياة وحبها للموسيقى, لذلك رحت أتتبع حكايتها ابتداءً من الدير الذي خرجت منه وغنّت أمامه إلى الجبال الخضراء إلى القصر الذي سكنته.

          تحول القصر إلى فندق, قصر ليبولدسكرون الذي يمكّن عشّاق الحكاية من السكن في الغرفات التي صوّر فيها الفيلم وامتلأت بالأغنيات, يمكّنهم من تخيّل المشاهد حين الجلوس في الشرفة المطلة على البحيرة التي أبحروا فيها وهم يرتدون الثياب الخضراء وقبعات القش فانقلب الزورق بهم, وما بعد البحيرة تبدو جبال الألب في الأفق البعيد مكسوّةً بالأشجار في منظرٍ طبيعيّ آسر.

          في الليل, مرّ بي طيف الأطفال السبعة, في ثياب النوم البيضاء, المشهد الأحب إليّ في الفيلم, وماريا تغني لهم My Favorite Things , في الصباح استيقظت على دعوة لتناول الفطور المُعد وفقًا للطريقة النمساوية في القاعة الرئيسية من القصر.

          تجوّلت بعدها في أرجاءه, والتي كانت أجملها المكتبة التي انقسمت لثلاث حجرات وصالة رئيسية ومئات الكتب, كانت بجدرانها المكسوّة بالخشب وسقفها المرسوم, كما لو أنها نسخة مصغّرة من المكتبة الوطنية في فيينا.

               ولمن يريد تتبع الحكاية دون الإقامة في الفندق, كونه يبعد عن قلب المدينة, يمكنه استئجار مقعد في ” رحلة صوت الموسيقى ” الرحلة تنطلق في ساعات محددة من اليوم, يطوف بها الباص المغطى بصور الفيلم أهم الأماكن التي صوّر بها, كالقصر والدير والبحيرة والكشك الزجاجيّ الذي شهد قصة حب البنت الكبرى لفون تراب وساعي البريد.

السير على نوتة موسيقيّة

           كنا في شهر أيلول / سبتمبر وكان الخريف قد بدأ بخلع اللون الأخضر عن سالزبورغ وطلائها بدرجاتٍ متفاوتة من الصُفرة, في الكويت, لا نشهد إلا فصليّن في السنة, الصيف أو الشتاء, لا نستطيع أن نصف ما بيّنهما بالربيع أو الخريف, بل هي مجرد شهور يعتدل بها الجو, إذ لا أشجار ولا بساتين نشهد فيها تبرعم الأزهار وتكون الثمار أو تساقط الأوراق.

          يقع قصر ليبولد سكرون في الجزء الريفيّ الهادئ من سالزبورغ, بين القلعة والجبال والبحيرة, يبعد عشرين دقيقة سيّرا عن وسط المدينة القديمة حيث منزل الموسيقار موزارت, قررت المشي جذلةً بالخريف الحقيقيّ الذي يحيط بي, ألتقط الأوراق الصفراء الكبيرة المتساقطة بعد أن شاخت على الأغصان.

          مشيت بمحاذاة النهر, شربت القهوة في مقهى زاخر واسترحت بالفندق العريق قليلاً ثم عبرت ضفة النهر باتجاه المدينة القديمة التي تشكّل قلب سالزبورغ, الجزء الأصيل منها المسجل في اليونسكو كموقعٍ للتراث الإنساني, البلدة القديمة الطافية على ضفة نهر سالزاخ كصفحةٍ منزوعة من قصص الطفولة.

          كانت الطرقات حجرّيةٍ ضيّقة, متروكةٌ كما بنيّت في القرن السابع عشر, تحفّها البيوت الصغيرة والمتاجر المحلية, الخبّاز الذي يعد خبزه وفق وصفات أجداده ويشكّله على شكل مفتاح موسيقي ليحمل شكل مدينته ومذاقها, المرأة التي تعكف على مكنة سنجر لخياطة الفساتين النمساوية التقليديّة التي تباع بأسعارٍ مرتفعة بالمقارنة مع تلك الجاهزة والرخيصة في المحال السياحية, والدبّاغ الذي يحيل جلود الأيائل الجبلية إلى حقائب وأحذية.

          سوق البلدة القديمة لا يزال ينتج بضائع أصيلة في محالٍ متوارثة لم تذعن لأموال الشركات الكبرى والعلامات التجارية الشهيرة, الباعة أصيلون, والبائعات بتنانير تقليدية وقمصان بيضاء مزمومة الأكمام, كأنهم غادروا أكواخهم للتو, نزلوا من الجبال إلى العمل.

           السيّاح أيضًا يمثلون جزءًا من المشهد, اذ شاهدت مجاميع كثيرة من السيّاح قد مسّهم سحر المدينة فابتاعوا الثياب النمساوية وارتدوّها أثناء التجوال فيها.

          بلغت المنزل الذي عاش به موزارت, وهنا يجدر بي الإشارة إلى وجود ثلاث متاحف لموزارت اثنان في سالزبورغ وواحد في فيينا, الأول في الشقة التي ولد فيها, الثاني في المنزل الذي عاش فيه طفولته المبكرة والثالث حيث انتقل للعيش في فيينا للعزف في البلاط الملكي.

          على المتاحف الثلاث تم تقسيم آلاته الموسيقية التي انبثقت منها ألحانه, اللوحات التي جسّدته والمخطوطات الأولى للنوتات التي قام بتأليفها, بالإضافة إلى مّذكرات أخته التي كشفت جانب كبير من حياته وبعض الوثائق التي تخص عائلته.

          بعد الجولة أبتعت التذكارات وكوب قهوة بأرجلٍ ذهبية أنيقة يحمل رسم موزارت وكرات الشوكولا المحشوّة بزبدة الفستق واللوز التي ابتكرها الحلواني بول فورست وأطلق عليها اسم كرات موزارت, حصدت وصفته الميدالية الذهبية في معرض الحلويات في باريس عام 1905 وتركها لمن بعده كسرٍ من أسرار مدينة سالزبورغ.

          أما ختام اليوم الموسيقيّ فكان ” حفل عشاء موزارت ” في دير القديس سانت بيتر والذي تحوّل لأقدم مطعمٍ أوربيّ, في مذكراتها, دوّنت ماريا أخت موزارت أن العائلة قد تناولت عشاءها فيه ذات ليلة, لذلك, كان هو المكان الأنسب لإقامة حفلات العشاء الفاخرة مثل التي كانت تقام قبل عقود.

          ككل القاعات الفخمة, صُممت قاعة العشاء على طراز الباروك, سماؤها لوحةٌ كلاسيكية, غيّماتها ثرياتٍ كرستاليةٍ برّاقه وأرضها مأدبةُ باذخة.

          الإضاءة خفيضة وعلى الطاولات المستديرة المغطاة بملاءاتٍ بيضاء يرتجف ضوء الشموع, كل زبون يحجز مسبقًا قائمة العشاء التي تناسبه من الخيارات المطروحة , أطباق العشاء المحضّرة وفقًا لوصفات المطبخ النمساوي في القرنين السابع والثامن عشر تقدّم على ثلاث دفعات, مع النوتات الأوبرالية الثلاث التي تؤديها الفرقة.

          حساء الدجاج بالليمون واكليل الجبل, صدور البط المدخّنة وقطع لحم العجل المطبوخة مع الخضار, وبعد أن تمتلئ أذنيك بالموسيقى ومعدتك بالطيّبات, لابد من تقديم حلوى سالزبورغ التقليدية, الفطيرة الهشّة المعدّة من البيض والسكر والطحين, المنكّهة بالكراميل والسكر المطحون, فطيرة نوكرل.

          على المنصّة يبدأ العازفون والمغنون بأداء أوبرا دون جيوفاني, الشاب اللعوب الذي يوقع الفتيات في شراكه ثم يتركهن كسيرات القلوب, بعدها أوبرا زواج فيغارو ومن ثم يُختتم العشاء بعزف وأداء أوبرا الناي السحري.

          أعضاء الفرقة يرتدون اللباس الفخم لعروض الأوبرا في القرن الثامن عشر, يبدون كالعازفين الأوبراليين في ذاك الزمن, جميعهم قد تخرجوا من جامعة موزارت لعلوم الموسيقى, وجميعهم يعزفون النوتة كما عزفها ملهمهم ومعلمهم فولفغانغ أماديوس موزارت.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s