سيسي، هل المتاحف تكذب؟

          بشعرٍ أسودٍ منساب كليّلةٍ طويلة, مرصّعٌ بنجومٍ ماسيّة تلتمع على ظهر الفستان الأبيض الملكيّ, كما تبدو تماماً بداخل اطار اللوحة الشهيرة التي رُسمت لها تأتيني إمبراطورة النمسا إليزابيث, أو ” سيسي ” كما يُطلق عليها شعبها المُحب, تأخذ بيدي لجناحها الفاخر في قصر شونبرون, جناحها نبيذيّ اللون, قانٍ إلى حد الغرق, مذهّبٌ ببذخ ومحتشد بالأثاث الفاخر, الجناح الذي كانت تختنق بين جدرانه المزخرفة وأسقفه المرسومة بالكامل وتحن إلى المنزل الريفي الذي كانت تقضي به العطلات قبل زواجها من الأمير.

          في الفيلم الطويل الذي يصوّر قصة حياتها سيهيم بها حُبا فرانز جوزيف ولي عهد الأمبراطورية النمساوية المجرية بين الجداول والجبال فيأتي بها شابةً غضة الفؤاد طليقة الروح لتصير بين غرفات القصر لوحة جميلة تتدلى من أغصان شجرة الأسرة الحاكمة.

          في زيارتي الأولى لقصر الشونبرون مع والدي التقيت بروحها الهائمة, تتفقد ثيابها الفخمة خلف علب العرض الزجاجية, تمرر يدّها بحزن فوق القفّازات التي لطالما ارتدها في الحفلات الراقصة والاحتفالات الرسمية, مراوح العاج وقبعات النزهات وأدوات الزينة والمرايا الصغيرة, تتفقّد قاعات الحفلات والثريات التي أضيئت بوهج الكهرباء بدلاً من دفء الشموع, تتعجّب من وفود السيّاح وتهرب من العيون الفضولية التي تتلصص على تفاصيل حياتها مأخوذةً بالفخامة والبذخ.

          ومثل فيينا التي كانت مدينتي الأسطورية الأولى, كان قصر شونبرون هو مبتدأ شغفي وانبهاري بالفخامة الأمبراطورية, كان السبب في تفتّح ذائقتي على الفساتين الملكيّة بالتنورات الضخمة والأواني الفضيّة والموائد الباذخة, كنت أسير في طابورٍ من السيّاح وأتأمل قطعةً قطعة من المعروضات, مصدّقة بأن هذا هو الكوب الذي احتست فيه سيسي شايها ذات صباح, وهذه هي الملعقة التي تناولت فيها عشائها وهذا هو المكتب الذي جلست عليّه لكتابة الرسائل, صدّقت بأن هذا الماثل أمامي هو فستانها الذي ارتدته عند تنصيبها على العرش بجانب الملك, والذي يبدو في اللوحة التي تراها حيثما يممت وجهك في فيينا, على الأكواب والصحون والمناديل وفي غرف الفنادق.

          عودتي للقصر في زيارتي اللاحقة كانت كفيلة بسحق الذكرى الجميلة, لأن ما وجدته كان متحفًا وليس بقصر! كان مختلفّا عما رأيته في طفولتي, أحسست بالخديعة والخيانة, وبأن ثمة يدٌ ماكرة عبثت بنقاء الذكرى الجميلة وخدشتها.

          الصدمة الأولى تمثّلت بأن الجناح الخاص بمتعلقات الامبراطورة إليزابيث قد اختفى تماما من القصر, وتم نقله إلى جناح في قصر هوفبورغ ضمن مجمع المتاحف في قلب فيينا, أخبرني سائق السيارة وهو من أصلٍ عربي بأنه خلال اقامته في فيينا تم تغيير القصر/ المتحف لخمس مرات, كان كلما يعود لزيارته كأنما يزور قصر جديد, ومؤخرًا تم تقسييمه على طريقة ” ما يطلبه السيّاح ” ولأن هناك أعداد لا يستهان بها من السيّاح الذين يرغبون برؤية متعلقات ” سيسي ” ولوحاتها وفساتينها, فلا بأس من اقتطاع هذا الجزء ونقله إلى مكان أقرب لأقدامهم وأضمن للحصول على أموالهم.

          أسلمت أمري لله, وذهبت في الغد لزيارة متحف سيسي الذي يقع بجانب فندقي وكل الفنادق الرئيسة في وسط فيينا, أو بالأصح متحف ” محاكاة حياة سيسي ” لأجد كل ما أنبهرت به في طفولتي كان مجرد مُحاكاة للقطع التي كانت تستخدم داخل القصر, وأن فستانها الملكيّ المحميّ خلف فاترينه ضخمة كان حديثًا جدًا, بقماش متوسط الجودة ودانتيل رديء وسلاسل من حبات اللؤلؤ البلاستيكيّة!

          بالطبع, كان هذا ما شاهدته في طفولتي, كانت بعض القطع حقيقية وربما بعض القطع الفاخرة التي أضيفت قد جُلبت من أسواق ومزادات الأنتيك لاستدرار المزيد من دهشة السيّاح واعجابهم, ولكن قلّة خبرتي لم تكن لتسمح لي بالتمييز بين ما هو حقيقيّ وما هو مزيّف.

          المتاحف لن تخبرنا دوما بالحقيقة الكاملة, وإن كانت تريد ذلك, بعض الحقائق تختفي وبعضها تُسرق وبعضها يستحيل عرضه.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s