فنجان قهوة في فيينا

وصلت القهوة إلى فيينا عبر حملات الجيش العثمانيّ الذي حاصرها طويلاً قبل أن يعود إلى ثكانته في إسطنبول دون أن يستطيع دخولها.

          خلّف الجيش وراءه أكياس البن, الحبّات البنيّة الداكنة مرّة المذاق, ذات القدرة العجيبة على تغيير المزاج وايقاظ الذهن, حُملت إلى البلاط كغنيمةٍ ثمينة وانتشرت بين أوساط النبلاء إلى أن وصلت لأيدِ العامة الذين استحسنوا مذاقها وأعجبوا بتأثيرها فافتتحوا المقاهي لاحتسائها, بعضهم لم يستسغ مرورتها, فأضافوا لها الكريما أو العسل أو مزجوها بالحليب, ومن هنا بدأت تظهر الأنواع الخاصة بالقهوة النمساوية, ولأنها خرجت من قصور النبلاء إلى المقاهي, خرجت حاملةً طقوسها وبروتوكولات تقديمها التي حافظت عليها منذ ذلك الوقت إلى يومنا, وأصبحت تُدرّس في مدارس ومعاهد خاصة للنُدل والقهوجية والحلوانيين والعاملين في هذه المؤسسات/ المقاهي.

          في فيينا, صُنّفت تقاليد تقديم القهوة ضمن التراث الثقافي لليونسكو, إلى جانب المتاحف والقصور والنوتات الموسيقيّة, التجربة الثقافية للسائح لا تكتمل دون الجلوس على المقاعد الخشبية العتيقة المغطاة بالمخمل واحتساء كوب من القهوة على الطاولات الرخامية الصغيرة.

          ولكل مقهىً روّاده الذين تحفظ الجدران وجوههم وتستمع لأحاديثهم منذ عشرات السنين, بعض المقاهي عُرفت بالسياسيين وآخر للكُتّاب والفنانين, حين تجلس بينهم, تستطيع أن تميّز بسهولة طاولات السيّاح وطاولات الروّاد الذي يحتلون حيّزا ثقافيّا واضحًا في المقهى ويساهمون في تشكيل فضاءه.

          عند حجز الإقامة في الفندق, فضّلت أن يكون الحجز بلا إفطار, حتى أبدأ صباحي كل يوم في مقهى مختلف من مقاهي فيينا العريقة, كلها كانت في الحي الأول, تقرب من الفندق أو تبعد عنه مسافة خمس دقائقٍ أو خمسة عشر دقيقة سيرا على الطرقات المحفوفة بالقصور والمتاحف والمباني الباذخة.

كافيه سنترال

          في اليوم الأول من رحلتي الارستقراطية, أردت العودة في الزمن إلى ما يزيد عن مئةٍ وأربعين عامًا, ولأن السيارات لم تكن قد راجت بعد حين ذاك, استأجرت عربةً سوداء يجرّها حصانٌ أبيض, من تلك العربات التي لاتزال تجول أرجاء الطرقات القديمة, وتساهم في رسم الصورة الرومانسية لفيينا, طلبت من السائس أن ينزلني بجانب قصر فيرستل حيث اقتطع جزءًا منه ليكون ” كافيه سنترال ” الأكبر والأرقى والأكثر حضورًا في الذاكرة الأدبية للمدينة.

          دفعت أجرة العربة وترجّلت منها, رفعت بصري لتأمل المبنى الذي يقع على رأس الشارع, تستقبلك على واجهته أربع تماثيل تنتصب فوق البوابة الزجاجية الدوّارة التي حين اجتزتها عبرت عبرها الزمن, كان الوقت مبكّرًا بما يسمح بالتمتّع بالهدوء والفخامة قبل تزاحم السيّاح.

          يقع المقهى في البهو الأرضيّ الفسيح من القصر, تحت الأقواس العالية , تملؤه الشمس بضياء الصباح الذي ينهمر عبر النوافذ الزجاجية الشاسعة التي اخترت الجلوس بجانب احداها, تقدّم نحوي النادل ببدلته الأنيقة ورحب بي بصوتٍ رخيم, وقف بظهرٍ مستقيم ودون أن ينظر إليّ مباشرةً كالعاملين في قصور النبلاء في الأفلام القديمة سألني عن القهوة التي أفضّل أن أبتدأ بها صباحي, فطلبت منه الطلب الذي أردده دومًا: القهوة التي يشتهر بها المقهى من فضلك, فأجاب إن كنتِ تفضلينها مع الكريما أنصحك بتجربة قهوة اينشبينر, الموكا التقليدية بطبقة كثيفة من الكريما المخفوقة.

          في اليوم الثاني كان لابد من تجربة ” زاخر تورت ” في مقهى زاخر, الكعكة التي ابتكرها الخبّاز الشاب فرانز زاخير عام 1832 حيث كان متدربًا في أحد قصور الأمراء يبلغ من العمر ستة عشر عام عندما طُلب منه اعداد الحلوى للأمير بينما كان الحلواني الرئيسي يغيّبه المرض, لم يكن حينها يدرك بأنه سيبتكر الكعكة التي سيرتبط فيها مذاق فيينا لسنواتٍ وأجيال, طبقتيّن هشّتيّن من كعك الشوكلا تفصل بينهما مسحة من مربى المشمش, مغطاة بطبقة كثيفة من صلصة الشوكولاته المذابة والمحضّرة بطريقته, تقدّم بجانبها القشطة المخفوقة, عندما تذيب اللقمة الأولى منها في فمك, ستحس بنعومتها كأنك تمر بيدك على قطعةٍ من المخمل , وسيغوص لسانك بقوامها الكثيف فتدرك معنى النعيم في قطعةِ كعك.

          منذ أن قدّم الكعكة في ذلك اليوم على مائدة القصر, أحتفظ بالوصفة لنفسه, وتركها بعد رحيله كموروثٍ ثمين لعائلة زاخر, يمنع تقليده أو تسريب طريقة صنعه, وإلا تعرض الفاعل للعقوبة القانونية, الورثة حملوا سرّ أبيهم, ولم يكتفوا بصنع الكعك وتقديم القهوة, بل افتتحوا فندقًا ومقهىً في فيينا وآخر في سالزبرغ, إلتمع اسمه بين أماكن الضيافة الأكثر فخامةً ورقيّ في العالم.

          فتح لي بوّابٌ عجوز يرتدي معطفًا قرمزيًا وقبعةً سوداء اسطوانية باب المقهى, كان مظهره يبدو كساحرٍ أنيق قادرٍ على فتح بوابة الماضي للقادمين من المستقبل, وجدت نفسي في ثمانينيات القرن التاسع عشر, أسير على سجّادةٍ باللون الذي اختاره زاخر لثيمته, الأحمر القرمزيّ, لونٌ يليق بعراقة فيينا وروحها الملكيّة, الكراسي والكنبات منجّدة به أيضّا وتكتسيه الجدران, كان حضور اللون وعمقه قادرٌ على ابتلاعك, واضفاء المهابة في نفسك, تداخل معه الأبيض الكريمي على مناضد الطاولات والكسوة الخشبية للمرايا والأبواب بلمساتٍ أنيقة حتى يبرزه ويخفف من حدّته.

          ولأن للمقهى سمعته ومكانته, كان كغيره يحتفظ بتقاليد تقديم القهوة, حين طلبت قهوة كلينربرنر الشبيهة بالكافيه لاتيه, قدُّم لي كأس ماءٍ إضافي بجانبها دون أن أطلبه, يُقال بأن القصد من تقديم الماء مجانًا في مقاهي النمسا هو اعتزاز النمساويون بالمياه عذبة التي تتدفّق من جبالهم, وإن شربت كأس الماء دون أن تنهي قهوتك, سيستبدله النادل بكأسٍ آخر, كل ما يريد قوله لك من وراء ذلك, أنّك مرحبٌ بك, أطلّ بقاءك ولا تستعجل المغادرة.

          ما لفت انتباهي أيضًا, الحوامل الخشبيّة التي تنتصب على الطاولات, تحمل الجرائد الورقية التي ما عاد أحدٌ يرفع عينيّه من شاشة جوّاله ليقرأها.

صورة من مقهى زاخر في سالزبورغ

          في اليوم التالي لم يكن الوقت في صالحي, تأخرت في مغادرة السرير لذلك شربت كوبًا من قهوة ميلانج وقوفًا على البار الخشبيّ الفاخر في مدخل مقهى ديميل, مثلما يشربها أهل البلد على عجلةٍ من أمرهم.

          شوكلتير, مقهى ومتحف, هذا ما يمثّلة ” ديميل ” بجانب قصر هوفمبرغ, الموقع الذي جعل منه المقهى المفضّل للعائلة الملكية – أمبراطورتي سيسي تحديدا – لذلك أهديّت كوب القهوة الذي شربته هناك لروحها الطيّبة وأقرأتها السلام, ولكن الوقت لم يكن يسعفني لتناول شطيرتها المفضّلة ” أبل شترودل ” والتي تطهى إلى اليوم بنفس الطريقة التي صنعت بها قبل مئتيّ عام.

          الصالة التي على يمين المدخل, زيّنت أسقفها على الطراز الباروكيّ المحتشد بالزخارف الذهبية, وخُصصت كصالة عرض للشوكلاته الفاخرة التي ينتجها مصنع ديميل, لم تكن لذّتها هي ما يميّزها فقط, بل علبها وأغلفتها التي تحمل رسومًا بهيجة كتلك على صفحات قصص الطفولة, يمكنك أن تبتاعها بأحجامٍ مختلفة, وأن تحملها معك للأصدقاء كألذّ وألطف سوفونير.

          مكان العمل في المقهى حيث يخبز الكعك وتُذاب الشوكولاته يتميّز بنوافذه الشفيفة, التي تتتيح للزائر فرصة الاطلاع على العاملين وراءها بستراتهم البيضاء وقبعاتهم المائلة, أما النافذة الأهم في المقهى فهي فاترينة العرض التي تطل على الشارع, والتي تواكب المواسم والمناسبات وتعبّر عنها عبر صنع قوالب الكعك.

قهوة اينشبينر في مقهى سنترال

          في عيد الفصح سترى كعكة بحجم بيضةٍ ضخمة تتقافز حولها أرانب السكّر, في الشتاء سترى سانتا كلوز يجر عربته المصنوعة من الشوكلاتة الداكنة بينما لحيته البيضاء الكّثة عبارة عن طبقة من الكريما, في مواسم الحفلات الراقصة ستجد مجسّمات لراقصات بفساتين فكتورية وفي وقت الانتخابات سيتحوّل المرشحون لقطعٍ كبيرة من الحلوى.

          أما رابع كوب قهوة شربته في صباحات فيينا, كان في متحف تاريخ الفن, البناء الذي يبهرك فيه كل جدارٍ وسقفٍ وتمثالٍ ولوحة, بدأ المتحف بمجموعة من اللوحات التي تقتنيها أسرة هابسبورغ ثم توسع ليشمل مقتنيات من الحضارات المشرقية وعتاد المحاربين والثياب الفاخرة والعملات  والمجوهرات, فاحتاج للتوسعة ولبناءٍ فاخرٍ مستقل, فكان المبنى الذي ينتصب منذ عام 1891 في ميدان الملكة ماري تريزا أمام تمثالها, بعد أن مررت بصالات العرض, قصدت المقهى الذي أختير له بهوٌ ذو قبةٍ عالية, عالية جدًا لدرجة أنها ستسبب الألم لفقرات رقبتك إن رفعت رأسك لتبلغ منتهاها, حين تقف تحتها تهطل عليك الدهشة من علوّ, من التماثيل التي وكأنها قد انبثقت من الجدران المرتفعة تتلصص على الحاضرين منذ عقود, من الشرفات المذهًبة التي يستند عليها عاشقيّن مأخوذيّن بسكرة الجمال, والزخرفات التي تزاحم احداها الأخرى.

           في اليوم الخامس, قررت النزول من برجي العاجيّ فخلعت عني ثوب البرجوازية ويممت شطر مقهى هافيلكا, لم يكن الأشهر ولا الأقدم ولا الأفخم, لا رفع أسقفه ولا زخرف جدرانه ولا قدّم القهوة على صوانِ من الفضة, فكان الأدفأ من بين مقاهي فيينا.

ارتشاف القهوة في حضرة هافلكا

           بالنسبة لي, تفوز المقاهي العائليّة دومًا بالحظوة, مقاهي الأسرة الواحدة والأجيال الممتدة, تلك التي تشبه البيوت بحميميتها وذكرياتها ولمّتها الجميلة, لم يكن هناك طاقمٌ من الندل ببدلاتٍ أنيقة, بل أحد أفراد العائلة, بجينزٍ سماويّ وقميصٍ أبيض تاركً ياقته مفتوحة, أخذ مني الطلب شفاهةً, حضّره وجلبه, ثم عاد لأصدقائه المتحلقين حول طاولةٍ مستديرة يتحدثون بحماس.

          تأسس المقهى عام 1939 على يد الأب ليوبولد هافلكا, الذي يطالعك رأسه المصنوع من البرونز والمنزوي في أحد أركان المقهى, أداره بمعيّة زوجته جوزفين صاحبة أشهر فطيرة في فيينا, والتي يُقال بأنه ليس ثمة من سكّان المدينة من لم يتذوقها, فطيرة بوختلن التي تعجنها وتخبزها منذ الثامنة صباحًا وتقدمها على مدار اليوم للزبائن بصحبة الفواكه المطبوخة.

           مرّت ثمانين عامًا, وما يزال المقهى يحتفظ بكراسيه الخشبيّة الشبيهة بكراسي المقاهي الشعبيّة في مصر, وبالقماش المخمليّ المخطط باللونين الأحمر والذهبي للكنبات, سيبدو لك مهترئًا وباليّا ولكنه محمّلٌ بالزمن, ولأن روّاده فنانين وكُتّاب ومثقفين, لم يعلّق على جداره لوحات أنيقة لشخصيات أرستقراطية مرسومة في القرنين السابقيّن, بل حين تحتسي قهوتك فيه ستحيط بك جداريات من الإعلانات الملونة, الجديدة والقديمة جدا, لفعاليات ثقافية في المدينة, حفل اوكسترا, توقيع كتاب أو محاضرة فنيّة, الجدول الثقافي بالكامل لمدينة فينا ستجده معلّقًا أمامك.

جانب من مقهى هافلكا
الصينية الفضية، كأس الماء والاحتفاظ بالتقاليد

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s