ليالي الأنس في فيينا

الحنين يجمّل المدن, بعض المدن تبدو اجمل عندما تغادرها وتنظر إليها من بعيد, ربما ستبصر فيها بعد ذلك مالم تبصره وأنت هناك, بعض المدن حضورها بالذاكرة أجمل.

          تُغني والدتي, تُغني مثلما فعلت أسمهان وهي تظهر على خشبة المسرح بفستانها الكلاسيكيّ وجمالها الأسطوري الأخّاذ, تحمل مهفة ريش النعام بيديّها وحولها يدور الراقصون في رقصةِ فالسٍ تؤدى كما لو في أحد قصور أسرة هاسبورغ, تُغني والدتي ” ليالي الأنس في فيينا, نسيمها من هوا الجنه ” وتبدأ بحزم حقائبنا لزيارة المدينة التي لطالما زارتها من قبل ليس على متن الطائرة بل على متن غناء أسمهان في فيلم ” غرام وانتقام ” ورقصة الفالس والموسيقى.

          كنت في الثامنة من عمري, وكانت فيينا أول عاصمة أوربية أزورها وقد تفتّح وعيي وتحسّنت قدرة ذاكرتي على الاحتفاظ بالأمكنة والصور, أول مدينة أتلمّس روعتها التامة, وعظمة مبانيها الرمادية التي تصطف بجانب بعض كأزرار معطفٍ شتويّ أنيق, أكسبها ذلك القداسة في نظري كلما تحدّثت عنها واسترجعت ذكرياتها مع الآخرين.

          عدت لها بعد ستة عشر عام, بعد أن أُتخمت ذاكرتي بعشرات المدن والرحلات وامتلأت عيني بالمباني والقصور والمتاحف والعظمة والبساطة, ولكني عدت أبحث عن مدينتي الأسطورية, عن دهشتي الأولى وانبهاري القديم.

الرحلة البرجوازية

          المدينة الواحدة, تحملُ وجوهًا عدّة, وعشرات الحكايات, ليس من الممكن أن تعيشها كُلها في زيارةٍ واحدة, عندما أختار مدينةً ما كوجهةٍ للسفر, أختار الحكاية التي أريد أن أكون أحد شخوصها, والحياة التي أحلم بالانغماس بها وتجربتها, لذلك فإن اختيار مكان الإقامة يعتمد بشكل كبير على اختيار الحكاية.

           اخترت زيارة فيينا, عاصمة الإمبراطورية المجرية النمساوية في الأمس القريب, ليس كسائحة, بل كدوقةٍ أو أميرة! هذا الاختيار لم يسهّل من انتقاء الفندق الذي سأنزل فيه, بل عقّد الأمر كثيرًا, لأن الحيّ الأول والذي يعتبر الأرقى في فيينا ومهد نشأتها كعاصمةٍ امبراطورية يزدحم بالقصور التي تحوّلت لفنادق, أو المباني الضخمة التي بُنيّت أصلا لتكون فنادقًا تلبي رغبة الزائرين بتجربة الحياة الباذخة بجانب قصر هوفبرغ حيث يُقيم الامبراطور ودار الأوبرا والكدترائية والمتاحف.

          فندق زاخير بثيمته العنابية الفاخرة وادارته العائلية المتوارثة؟ امباسادور أم بريستول؟ قصر هانسن الذي تحول لسلسلة فنادق كمبنسكي أو بارك حياة الذي كان بنكًا للنبلاء؟ اقامتي التي تمثّلت في سبعة ليالٍ كدت أوّزع كل ليلةٍ منها على فندقٍ مختلف لفرط حيرتي, ولكن, اخترت أن أقسّمها بين جراند هوتيل وامبريال هوتيل.

           بُني أمبريال هوتيل كقصر لاستضافة الدوق فيليب, دوق فورتمبيرغ عام 1863 والذي أهداه لخطيبته الانجليزية ماريا تريزا, وتحوّل بعدها بعشر سنوات إلى فندق ..
يستقبلك القصر ببهوٍ رخاميّ طويل كان في السابق مسار عربة الخيل التي تنزل الدوق وضيوفه عند البوابة الداخلية خوفا من الاغتيال, مسار عربة الخيل تحول لقاعة مفروشة بالرخام النادر ذو اللونين الأخضر الياقوتي والبنيّ, تتنزل فوقها الثريات الكرستالية اللامعة كالماس وتنتصب على جدرانها صورة مالكته الأولى الأميرة ماري. روحها لا تزال تسكن القصر عبر هذه اللوحة منذ مايقارب المئتيّ عام، تعويضا عن اقامتها القصيرة فيه.

الدرج المفضي للأجنحة والغرف في فندق امبريال

          بعد ان تجتاز بهو القصر، سينساب أمامك سُلم طويل، تحيط به جدران رخامية حمراء وأعمدةٍ مزخرفة بمشهدٍ مهيّب وينتصب في منتصفه تمثال يشهد على براعة نحاتي القرن الثامن عشر، وهو احد القطع الفنية الثمينة الكثيرة التي يعج فيها الفندق , لوهلة, حين صعدت الدرجة الأولى من السلم اختطفني الزمن, أدخلني وأنا أعرج عليه إلى احدى الحفلات الباذخة التي أقيمت فيه فيما مضى, في ضيافة الدوق والأميرة, والضيوف يتوافدون حولي, بالبدلات الأنيقة والفساتين الضخمة.
          في أحد الأروقة الرئيسية يتباهى الفندق بصور وحكايات المشاهير الذين نزلوا هنا، اختاروا الإقامة فيه كأفضل فندق يجسّد تقاليد الفندقة العريقة في فيينا
على الجدران وببراويز مذهّبة ستجد حكاية الفندق، وصور متعددة للملكة إليزابيث الثانية، صوفيا لورين، هتلر وموسوليني في الحرب العاليمة الثانية، شارلي شابلن، امبراطور وإمبراطورة اليابان, الملكة رانيا والملك عبدالله والعديد من الساسة والموسيقيين والمشاهير
كنت محظوظة اذ فتحت لي مديرة الفندق أبواب الجناح الرئاسي الذي نزل فيه كل هؤلاء بعد أن طلبت منها ذلك وبإلحاح الجناح المصمم على طراز الباروك, تم فرشه بقطع ثمينة من الأثاث الخشبيّ المنجّد بقماش الداماسك الكحلي وبأطرافٍ مطلية بماء الذهب,  كان الجناح يحتل جزءًا كبيرًا من الطابق الأول، مكون من عدة غرف مفتوحة على بعض ومغلقة على اسرار من نزل به.

تخمة فنيّة :

          أتخمت بالفن,  فيينا مدينة على هيئة قطعةٍ فنيّة هائلة, ولكن حتى وإن قضمتها في كل يوم قضمة صغيرة, ومضغتها جيدّا قبل أن تبتلعها, وإن تجرعت هذا الفن على أيامٍ متفرقة, ستكتفي, ستبدو لك القصور متشابهة واللوحات مكررة والتماثيل تكاد تفر من أمكنتها بعدما أعياها الضجر.

قررت تخصيص اليوم الأخير من الرحلة للمتاحف التي لم أرتادها, دار الأوبرا وقصر البلفيدير والمكتبة الوطنية, ومدرسة الفروسية, المدرسة الوحيدة في العالم التي حافظت على تقاليد ركوب الخيل وفن الفروسية الأصيل للنبلاء, كان هذا أشبه بتقديم مأدبة العشاء لشخصٍ قد تناول غداءه للتوّ!

قصر بيلفيدير تمتد جنّته من أمامه

          قصدت أولا قصر بيلفيدير للوقوف أمام أعمال الفنان غوستاف كليميت وتحديدًا لوحته الأثيرة ” القبلة ” ولأن الفنان ولوحاته قد تحوّل مثل موزارت والإمبراطورة سيسي إلى أحد الرموز الأكثر إدرارا للمال في فيينا, لم أجد لوحاته في القصر! عندما سألت الموظفة عن القاعة المخصصة له, طلبت مني أن أعبر الحديقة الشاسعة باتجاه المبنى الصغير هنااااك والذي كان في السابق مدخلا للقصر واسطبلاً للخيول ثم عُدّل ليصبح القسم السفلي من القصر, هناك سيدتي لوحات غوستاف وسيرة حياته والمقهى والمتجر التابع للمتحف, وبالطبع لابد من شراء تذكرة دخول خاصة لتلك القاعة.

          عدت بعدها للحي الأول حيث تتجاور الوجهات الثقافية المتبقيّة الثلاث, وسأكتفي بالإشارة للمكتبة الوطنية, المكتبة المصنّفة ضمن أفخم وأجمل مكتبات العالم, تأسست في النصف الأول من القرن الثامن عشر لتكون المكتبة الخاصة بالأسرة الحاكمة وتحديدا الإمبراطور كارل السادس الذي أمر ببنائها .

          جمعت المكتبة منذ ذلك الوقت وحتى يوما ما يزيد عن سبعة ملايين كتاب ووثيقة ومخطوطة تاريخية, جزء كبير من التراث الإنساني يقبع هنا خلف البوابات السريّة.

          من المهيب أن تكون في نفس المكان الذي تتواجد فيه كتابات مارتن لوثر كينغ التي غيّرت وجه أوربا والعالم من بعدها, والكتب التي خُطّت وزخرفت ورسمت بشكلٍ خاص ليقرأها الملوك, والخرائط العتيقة التي سافر على إثرها الرحّالة القدماء, من المهيب أيضًا أن تقف في ” قاعة الدولة ” البهو الأفخم في المكتبة, جدرانه المكسوّة بالخشب تأخذك للأساطير, تجعله يبدو كسفينةٍ في أسطولٍ ملكيّ, وسقفه الذي يرتفع عشرين مترًا من فوقك, زين قبّته الفنان دانيال غران برسومٍ تظهر عظمة آل هابسبورغ, كما رسم على اليمين والشمال مشاهدًا تصوّر الحرب والسلم, كناية عن القدرات العسكرية الفائقة للإمبراطورية النمساوية.

          تماثيل وزخارف وكتب تصطف على الجدران لتلامس السقف, عراقة وأبهةٍ وبذخ, سيّاح وباحثين ومصوّرين وحرّاس وذاكرةٌ إنسانية لا متناهية, ولكن ما هو الشعور الذي سينتابك اتجاه المكتبة التي تدخلها كسائحٍ لا كقارئ؟

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s