إيطاليا : السحر الذي سيمس قلبك

ما أبحث عنه في السفر هو السحر, ذاك الذي يمسّ قلبك دون اعتبار لكون المدينة جميلة أم لا, أنيقة أم فوضوية, عصرية أم قديمة ورثة, السحر الذي يسكنها كومضةٍ برّاقة, ما إن تراها ستعلق بعيّنيّك للأبد

روما, فلورنسا وميلانو

 ” كنوز إيطاليا الفنيّة لا يستطيع الانسان مشاهدتها في أقل من عام, إلا إذا تبنى طريقة السياح الأمريكان الذين يحملون الكامرة ويتصورون أمام أبواب المتاحف!

إن قاعة واحدة من قاعات الفاتكان وهي سيستينا شابل التي أبدع رسمها مايكل أنجلو تحتاج وحدها إلى ما يقارب شهر من الاستلقاء على الأرض وتأمل رسوم السقف وحده

*غادة السمّان, الجسد حقيبة سفر

          لم أستمع لنصيحة غادة, وذهبت للإحاطة بفنون إيطاليا في اسبوعيّن, من روما إلى ميلانو مرورًا بفلورنسا والبندقية, ذهبت في الشتاء, وهو الفصل الأكثر رومانسيةً وجمال للتماهي مع المدن الإيطالية, حيث يسير كل عاشقيّن تحت مظلةٍ واحدة في المساءات الماطرة, ويرتدي كبار السن بدلاتهم الصوفيّة الأنيقة بينما تتباهى السيّدات بمعاطف الفرو الباهضة.

          كان المشهد الروائيّ للمدن الإيطالية مكتملاً في الشتاء, رمادية السماء وزينة الميلاد وأناقة المباني والطرقات الحجرية العتيقة والمحال البوتيكية والمقاهي, التماثيل التي تحرس كل مبنىً وميدانٍ ونافورةٍ وحديقة والناس في حضرة الفن سُكارى, مثلي يهيمون بين أعمال دافنشي ولورينزو ومايكل أنجلو ورافييل.

          تقافزت مثل الذي مسّهُ شيطان الفن أو ملاكه, بين دور الأوبرا والكاتدرائيات والقصور والفنادق والنوافير والسلالم والساحات والمتاجر الفنيّة التي تسرق العين والقلب بالإضافة لما في الجيب.

شربت أعدادًا لا نهائية من أكواب القهوة الإيطالية في أوائل المقاهي التي افتتحت في أوربا مثل فلوريان وكافيه غريكو, والمقاهي الفنيّة مثل مقهى النحّات كانوفا وسط منحوتاته التي تحيط بالزبائن.

          تناولت جذِلةً أكواز الجيلاتو بمذاقاتٍ طازجة, الشمام والليمون والتوت وفانيلا والشوكولاته الداكنة, وقفت تحت اغواء الرائحة عند أفران البيتزا التي تبيعها على الطريق ويتزاحم عندها السكان المحليّون, وتذوقت الريزوتو والنيوكي في أعرق مطاعم الدومو.

          هتفتُ في ملعب روما مع المشجعين في مبارةٍ لا أفقه فيها شيء, ملتُ بجسدي إلى اليسار وأنا ألتقط الصورة التقليدية بجانب برج بيتزا المائل, صعدت درجاته على كادت تنقطع أنفاسي وتجوّلت في الأزقة الدافئة لمدينته, جرّبت القيادة الافتراضية لسيارة الفورميلا في متحف فراري في مودينا وركبت عجلة الأحصنة الدوّارة الشهيرة في ميدان فلورنسا, واقعةً تحت سحر تصميمها القديم وألوانها البرّاقة.

          وهل من شيءٍ في فلورنسا جوهرة عصر النهضة وخزينة فنونه يخلو من السحر؟ السحر الذي يتدفّق أمامك منذ أن تغادر عتبة الفندق وتتيه في الطرقات, تمر بجانب الفنانين الذي يمارسون طريقة المدينة في العيش, يرسمون الحياة, يبيعونها على العابرين ويقتاتون من لمسات ألوانهم, تمر بدكاكين الدبّاغين وقد استحالت فيها الجلود إلى حقائب أنيقة وقفازاتٍ وأحذيةٍ وأغلفةٍ للمذكرات والكتب, تمر بنهر أرنو الذي يفصل الجزء القديم والحديث منها, تعبر جسر بونتي فيكيو بين محلاته الصغيرة المتراصة, حيث الصاغة والمجوهرات وسلاسل الذهب ونفائس الحليّ بتصاميمٍ مستوحاه من عصر النهضة وسيّدات القصور, يتدفّق السحر أمامك من الصباح حتى المغيب, منذ أن تغادر عتبة الفندق, حتى تعود إليه.

          ما بين قطاراتٍ ومحطاتٍ وباصاتٍ سياحية وسياراتِ الأجرة ومئات الخطوات الفضولية المستكشفة على الأرصفة والطرقات, ظننت بأنني قد أحطت بإيطاليا, قد حزت على مسرّاتها وفككت أسرارها, حتى إذا ما عدت وأعدت النظر في رحلتي الأولى إليها, اكتشفت حجم ما فاتني منها, وأن المشوار في أوله, وأن دولةً بتنوّعها ودفئها وجنونها وأناقتها وبلداتها وأريافها ومدنها وسواحلها وتاريخها وفنّها, دولة تختلط فيها عنجهية الروح الأوربية بشعبيّة الروح العربية لا يمكن الفكاك من سحرها, ولا يمكن أن تضع علامة ” تمت الزيارة ” على موقعها في خارطة العالم لمجرد أنك قضيت فيها اسبوعيّن من الزمن .

          عزيزي القارئ : إن أُتيحت لك فرصة السفر لمرّة واحدة في حياتك, فلتكن وجهتك إيطاليا!

أي مدينةٍ أجمل؟

عندما أكتب عن إيطاليا في مواقع التواصل الاجتماعي, أو أتحدث عنها في المجالس, يكون السؤال الذي يوجّه إلي : ما هي أجمل مدينة إيطالية في رأيك؟

          تُرى, كيف يمكن الإجابة على سؤالٍ كهذا؟ هل تشبه قنوات الماء التي تبحر بين مباني البندقيّة طرقات روما التي تحرسها التماثيل والمنحوتات؟ هل تشبه جبال الساحل الأمالفي المكسوّة ببساتين الليمون وبيوت البحارة والصيّادين الملوّنة جبال توسكاني المغطاة بأشجار الزيتون وعرائش العنب وبيوت المزارعين الحجرية؟ أم أن نابولي بكل فوضويتها وتحررّها وطيشها هل تشبه عنجهية ميلانو وحرصها على أناقتها ؟ هل قصة العشق المعلّقة على شرفة منزل جولييت في فيرونا تشبه اللوحات المعلّقة على جدران متحف أوفيزي في فلورنسا؟ وهل يمكن المفاضلة بين الجميل والجميل؟ بين المدهش والمدهش؟ بين الأصيل والأصيل؟كل مدينةٍ في إيطاليا كانت تشبه نفسها, كانت جميلة بفرادتها, واختلافها وهويّتها.

          وإن أراد أحدهم السفر إليها وسألني أي مدينةٍ تقترحين للزيارة؟ اتنهّد لفرط الشوق لها وأجيب:

إن زرتها بالشتاء أرتد معطفًا أنيقًا وقفازاتٍ جلديّة وأحمل مظلتك للسير تحت مطر البندقية أو فلورنسا وروما, الشتاء يليق بالمدن الرمادية في أوربا, إن زرتها في الخريف لا تغادرها دون أن تقطف التين والعنب والزيتون في مزارع توسكاني, ان زرتها بالصيف, اذهب لجنوبها, متّع عيّنيّك بالزرقة العميقة للبحر الأبيض المتوسط, استنشق رائحة الليمون وقد نضجت ثماره والياسمين الطافح فوق الأسوار والشرفات, أما إن زرتها بالربيع, فهل ثمة مكانٌ ليس بجميلٍ حين يغشاه الربيع؟

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s