اسطنبول : سلطانة المدن

حين تعود, تعود مثقلاً بروح المدينة, تفرغ حقائبك فيمتلئ قلبك بالحنين, بالشوق للذكرى القريبة التي كنت تسكنها لتوّك, لم تفق من سكرتك بعد, مأخوذٌ أنت بها ولم تُفلتك

كيف يمكن للناس أن يغرموا باسطنبول على الرغم من كل هذا الحزن الذي تسببه لهم, ليس سهلا أن تعشق مدينة بكل هذا الجمال الذي يخلع الفؤاد “. *إيليف شافاق

في اسطنبول, تتدفق الحياة منذ ساعات الفجر الأولى, تطير النوارس, تبحر المراكب في مضيق البوسفور وبحر مرمرة وخليج القرن الذهبي, يجري الناس لممارسة الرياضة على الجسور أو يتوقفون لرمي صناراتهم في البحر, يجر باعة السميت الساخن عرباتهم نحو الميادين, ويوضب أصحاب المقاهي الكراسي الخارجية.

          يبدأ الشارع بالازدحام حتى لو ظننت بأنك قد أبكرت بخروجك, المدينة مكتظة, يتراكم فيها كل شيءٍ فوق بعضه, البيوت, العمارات, الأسواق, الناس, السيارات, المآذن وحتى التاريخ.

سكنها الملايين, عبرها الملايين, أحبها الملايين, كُثُرٍ تذمروا منها, كُثرٌ كتبوا عنها أو هجوّها, تمسكوا بها أو هجروها. مدينةٌ كإسطنبول, من أنت في ذاكرتها؟ قد تكون بالنسبة لها ذرة غُبارٍ عبرتها ذات يوم, ولكنها قادرة بأعجوبة على جعلك تظن بأنك عاشقها الوحيد ومريدها الوحيد, أن لا قبلك ولا بعدك أحد.

          مدينةٌ كإسطنبول, تصيبني بالحيرة كغيّرها من المدائن المتشعّبة, تتداخل فيها القصص والحُقب والعوالم, حملتها في ذاكرتي على وجوهٍ عدّة, قرأتها في الكثير من الروايات والكتب, شاهدتها في الأفلام والمسلسلات وأحببتها كيفما بدت, ولكن ما إن أزورها حتى أتخبّط عند أسوار ذاكرتها ولا أدري من أي بابٍ ألج.

          وإن عدت إلى المبتدأ, فإسطنبول في ذاكرتي الأولى هي ” اسلام بول ” المدينة التي افتتحها الصبيّ الذي كان يعسّكر مع والده عند أسوارها, عندما كبر أصبح القائد العثماني ” محمد الفاتح “, أدمنت في طفولتي على مشاهدة الفيلم الكرتوني ” فتح القسطنطينية ” استثارتني مشاهد الأسوار تُدك تحت قصف المدافع وحيلة تجاوز السلاسل الحديدية التي تعيق السفن الحربية من الابحار في البوسفور, الآن, لا يزال بقايا السور شاهدًا على تلك المعركة التي غيّرت مسار التاريخ الاسلامي والأوربي على حد السواء, والكنيسة التي تحولت لمسجدٍ في الفيلم أصبحت متحف آيا صوفيا, والقصر الذي أخرج منه قسطنطين لم يتبقى منه إلا قطعٌ أثرية متناثرة في صالات العرض.

          سمعتها فسكنت مخيلتي عبر حكايات والدي وأحاديث أخواته حين يستذكرون الأشهر الصيفية الطويلة التي يأخذهم بها جدي إلى هناك في السبعينيات والثمانينيات, ونُسِيَت اسطنبول بعد ذلك, إلى أن ظهرت موجة المسلسلات التركية, فارتفعت أسهم السياحة هناك , وتدفّق الناس عليها من جديد, تابعت اسطنبول في المسلسلات بثلاثة أشكال, حريم السلطان في العهد العثماني, طائر النمنمة في القرن التاسع عشر, أما المسلسلات التي تصور الحقبة الحديثة, لم أتابعها ولكن كنت أحب المشاهد التي تظهر فيها الفيلات الخشبية القديمة أو القُرى والبيوت البسيطة.

          قرأتها بعد ذلك في مذكرات أورهان باموق ” اسطنبول المدينة والذكريات ” وروايات إليف شفاق التي تصفها بكل روايةٍ بشكلٍ مختلف, وتسهب إسهابًا في ذكر تفاصيلها حتى تكاد تراها وأنت تقرأ, كما قراتها في مذكرات الرحالة والمستشرقين القدامى والجُدد.

          ورأيتها بعد ذلك, رأيتها عبر منزل المصمم التركي ” سردار قولقون ” وكتابة Ottoman Chic الذي ترجم من خلاله فنون اسطنبول وتاريخها وطريقة رؤيته لها عبر جمع التحف والنوادر في بيتٍ ابتاعه من صفحات التاريخ وأعاد إحياءه في سبع سنواتٍ يقول عنها : ما ندمت على دقيقةٍ واحدةٍ منها قضيتها في ترميم هذا البيت وتأثيثه من ذاكرة مدينتي .

المدينة القديمة        

تشك تشك شتك
          أصغي لخطواتي ووقعها على الشارع الحجري وأنا أتبع الجموع خلف أذان الجمعة باتجاه بوابة جامع السلطان أحمد، لا أحس بأني أسير على الأرض، بل على بطاقة بريديةٍ قديمة، لا أشعر بوجودي هنا، أشعر بي جزءا من الصور التي لطالما شاهدتها لإسطنبول, أشعر بي مئذنة منتصبة بجانب قبة المسجد، نورس يحلق نحو الأفق الفسيح لزرقة البوسفور، لحنٌ شجيّ في نايٍ من قصب, أو غيمة تمر سريعا وتمضي فيثقلها الحنين، لا أشعر بحقيقتي، اتماهى مع الحلم، اذوب فيه وفيَّ يتجلى.

          أخلع نعليّ وألج صحن المسجد, هنا مغتسلٌ للروح, تعرّج فيه باتجاه القباب الزرقاء المتداخلة كسماءٍ من النقوش وآي القرآن, تتنزّل منها قناديل النور حتى تكاد تلامس شغاف القلوب, تأخذك عظمة المسجد لأعمق نقطةٍ في روحك, تستدر إيمانك وضعفك في حضرة هذا الفن الاسلاميّ الكثيف, وبعد أن تنفض الصلاة وتكف خرزات السبحات الخضراء عن التسبيح والانزلاق بين الإبهام والسبابة, أنفضُّ للقاء المدينة.

          وأخيرا, ها أنا ألتقي بمدينة السلاطين والوزراء والمعماريين وتلامذة سِنان والنقاشين والمكائد والجيوش والحريم والجواري والسلطانات والانكشارية والآغاوات, مدينةٍ تدفق منها التاريخ لعقود, بخيّره وشره, بعدله وظلمه, بتوسّعه وانحساره.

          أقف بجسدي الضئيل تحت انتصاب ” الباب العالي ” حيث السلطان المبجّل تأتمر الدُنيا بإشارةٍ من إصبعه. أقطعُ تذكرةً بسعرٍ زهيد, تخوّلني الدخول لعالمه, والتجوّل بحدائقه واستنشاق عبير أزهاره والجلوس على كنباته وتعبئة عيّني بجماليات قصره.

          ما إن عبرت الحدائق وأشجارها والبوابة الذهبيّة المشغولة بالحديد والمحاطة بأعمدةٍ من المرمر الصقيل, حتى غشِيَني الفن, انهمر عليّ دفعةً واحدة, لا طاقةَ لي بها ولا احتمال, توقفت بصمتٍ وذهول عند كل جدارٍ تتسلّقه أزهار التوليب برتمٍ موسيقي متصاعد, وكل بوابةٍ خشبيّة تعلوها عبارةً قرآنية تهذّب النفس وتوصي بالخير, توقفت امام المدافئ المخروطية والمحاريب, والطبليات والأرائك الخفيضة وألواح القيشاني والضوء المنسكب كدهشة من الزجاج الملون على النقوش التي تتشبث في الجدار كتسابيحٍ أبدية في قلب شيخٍ وقور.

          ما رأيته في قصر توب كابي, كان الفن الإسلاميّ الخالص, بكل تجلياته الروّحانية, الفن المتصوّف الذي يدور في ملكوت الله ويقتبس من وحيه ويسبّح بحمد وحدانيته, الفن الذي حاول من خلاله المعماريّ المسلم أن يبتدئ وينتهي من النقطة ذاتها, حيث من الله المبتدأ وإليه المنتهى.

على عكس بقيّة القصور العثمانية اللاحقة, دولما بهجة وقصر كوجوكسو ويلدز, حيث يغلب التأثير الأوربيّ على الطابع الإسلامي والعثمانيّ في بنائها من الخارج وتصميمها الداخليّ حيث يختلط الأثاث الفرنسي بالسجاجيد المشرقيّة الحريرية, وتعلو العواميد الإيطالية الرخامية طغرى السلاطين العثمانيين وشعار الدولة.

          من بين حجرات وقاعات تلك القصور, برزت مدرسة معمارية جديدة, تزاوجت فيها فنون الشرق بفنون الغرب, وطعّمت بفنون المشرق الأقصى والمغرب العربيّ, فكانت آياتٌ من آيات العمارة الحديثة, لا يملك كل من يزورها ويغادرها إلا أن يلهج بقوله تعالى ” كم تركوا من جناتٍ وعيون, وزروع ومقامٍ كريم, ونعمةٍ كانوا فيها فاكهين “

          ورحت بعدها اتقصّى آثار المعماريّ سنان, كما روتها إليف شفاق في رواية ” الفتى المتيّم والمعلّم ” بالرغم مما خلطته من خيالٍ بالتاريخ. رحت اتقصّى الأضرحة والمساجد والمدارس والحمامات التي كانت على امتداد خط سيري في العالم القديم لإسطنبول واسترجع المشاهد التي ذكرتها في وصف طرائق بنائها ومشاق رفع أحجارها واحتفالات افتتاحها.

          في إسطنبول, العمارة والبناء أشبه ما يكونا بديوانٍ شعريّ ممتلئٌ بالقصائد, القصائد التي لا تنتهي مهما أعدت قراءتها. في كل مشوارٍ وخطوة, ستلحق بك القباب والمآذن والنقوش والأضرحة الرخامية وصنابير المياه المذهّبة والنوافير وأشجار الصنار والحور المعمّرة والموسيقى وشاعرية المكان وسحره وومقاهيه وبواباته, في إسطنبول الفن والعمارة جزءٌ من الحياة اليومية, كالهواء والخبز وكؤوس الشاي.

ثلاث لياليٍ في الحريم العثمانيّ : فندق sultania

          ” لوّحة مرسومة لسلطانةٍ عثمانية تعصب رأسها بعمامةٍ بيضاء وتترك شعرها مسدولاً بداخل اطارٍ ذهبيّ مضيء فوق السرير” كانت هذه الميزة الديكورية كفيلة لحجز ثلاثَ ليالٍ للإقامة في فندق سُلطانيا.

          عاد بي الزمن لعهد السلطان, حللت من مشارق الأرض ضيفةً على جناح الحريم في توب كابي, كما أوحى لي الفندق حين بلغته, ما إن توجهت لغرفتي حتى سمعت الخلاخيل الرنانة في أرجل الجواري يتراكضن في الممرات, غمزت لي احداهن ورحّبت بابتسامة, تهامست مع صويّحباتها بغنجهن المعتاد وغابت كالسراب.

          فتح لي الموظف باب الغرفة فضحكت في نفسي إذ نزعت عنه بدلته السوداء الأنيقة وألبسته في مخيّلتي عمامةً كرويّةً منفوخة ورداءً واسعًا يزمّه حول خصره كالآغاوات المكلفين بخدمة الحريم العثمانيّ, ويقول لي مادًا يديّه على طريقة المسلسلات التاريخية : تفضلي سيدتي, كل من في القصر رهن اشارتك.

          دخلت غرفتي المُعطاة سلفّا اسم سلطانةٍ عثمانية وحللت في ضيافتها, تنتظرني عند الباب بلوحةٍ تجسّدها بالإضافة لرسمها في اللوحة فوق السرير, وتهديني حلوى الحلقوم اللذيذ بداخلِ إناءٍ معدنيّ له غطاءٌ كقبة المسجد يعلوه هلالٌ ذهبيّ صغير, الحلوى التي ابتكرت في مطبخ القصر, وصارت تعدّ للاحتفال والتبشير بالأخبار السعيدة كالنصر في معركة أو عودة السلطان أو حَبَلِ إحدى زوجاته ومحظياته, وكأنما يحتفل القصر/ الفندق بتشريفي وقدومي.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s