البندقية : اسطورةُ تعوم على تاريخها

          لو طلب مني كتابة أسطورةٍ تفسّر نشوء البندقيّة, لقلت بأنه كان هناك في قديم الزمان بحًارٌ فتيّ, مليح المُحيّا عريض المنكبيّن مفتول الذراعيّن, يعتمر قبعةً بيضاء مستديرة ويرتدي قميصًا بخطوطٍ زرقاء, يجدّف على متن زورقٍ خرافيٍ أسود, منقوشٌ بالذهب وموسومٍ بقصيدةٍ منسيّة, رسا على أطراف إيطاليا, غمره الماء ونمت على روحه الطرقات والأبنية والجسور والمراسي وصارت البندقية.

          هناك مدن تبدو أجمل في مجلات السفر, عدسات السيّاح والبرامج التلفزيونية, حين تزورها تدرك حجم الخديعة, وعلى النقيض, هناك مدن لا تستطيع عدسات المصورين أن تلتقط كامل جمالها وتنقله لعيّن المشاهد, البندقية كانت من النوع الثاني بكل تأكيد.

          وصلناها من فلورنسا عبر محطة القطار, ترجّلنا مع فوجٍ من السيّاح ومشيّنا عدة خطوات باتجاه محطة النقل المائيّ, كانت مجرد ساحة, ساحة انتظار تفصل بين العالم بأسره وبين المدينة العائمة, يلتقي فيها القادمون من المطار والقطار أو الذين ركنوا سياراتهم في المواقف المخصصة ليبدؤون رحلتهم في هذه المدينة العجائبيّة.

           للوصول إلى فندق كان ثمة خياريّن, إما استئجار قارب سريع عبارة عن تكسي خاص, أو الباص المائيّ وهو مركبٌ كبير يطوف في الطرقات الرئيسيّة ويتوقف في محطاته المخصصة بالوقت المحدد بالدقيقة والثانية, سألنا أي الوسيلتيّن أفضل, فقال لنا كابتن الباص المائيّ بعد أن أريّناه اسم فندقنا بأن الباص سيتوقف في محطةٍ قريبة منه, اركبوا, وركبنا. ولأنه كان مكتظّا, وقفنا في مؤخرته, يبحر بنا مبتعدًا عن الواقع, موغلاً في الخيال.

في لحظة اللقاء الأولى, ماهي الكلمة التي يمكن لك ان تقولها في تحيّة البندقية حين تصلها عند المغيب؟ تتبدى من أمامك المدينة, بهندستها العجائبية على كف الماء عمائرٌ وبيوتٌ وقصور تقابل بعضها البعض بعمارتها المميزة وقناطرها القوطيّة على ضفتيّ القناة, ومن خلفك تتوهج شمسٌ برتقالية كورقةِ خريف تسقط في البحر الأبيض المتوسط بينما تلوّح بيديك, المدينة بدورها ستلوّح لك. كيف ذلك؟ عبر أجنحة النوارس، ورؤوس الموجات الصغيرة المتشكّلة خلف قاربك، والأشرطة الزرقاء المتطايرة من قبعات مجدّفوا الجندولا الذين يبتعدون عنك, أو يسايرونك, يحملون السواح في قواربهم السوداء المتوارثة على راحة الحلم.

أوتيل ريالتو

          وصلنا محطتنا, محطة ريالتو التي تحمل اسم فندقنا ” فندق ريالتو ” والذي سُميّ بدوّره على الجسر الفينيسيّ الأشهر” جسر ريالتو “.

          بيتٌ ايطاليّ شُيّد في القرن الثامن عشر, طُليّ باللون الزهريّ الداكن وبُنيّ فوقه طابقيّن ليتحوّل إلى فندق, من الخارج يبدو ضئيلا بين الأبنية الضخمة التي تحيط به, ولكنه يبدو أيّضا بغاية الدفء, على يمينه مباشرةً الدرجات التي تفضي إلى جسر ريالتو وعلى يساره عدة مراسٍ خشبيّة صغير لتحميل وتنزيل البضائع بالمراكب الصغيرة أو السيّاح بقوارب الجندولا, بجانب مدخلة مظلّة خضراء تسقف طاولات مقهاه الخارجيّ, ومحلٌ للجيلاتو وعربة لبيع التذكارات والأقنعة.

          ” سنيور, سنيورا غرفتكم جاهزة, ولكنها في الطرف الخلفيّ من المبنى, هذا يعني بأنكم ستفوّتوا على أنفسكم أجمل منظر في المدينة “ قال لنا موظف الاستقبال  ذلك بينما راحت تعابير وجهه تعبر عن الأسف والندم, طريقته تلك جعلتنا على الفوّر نطلب منه تغيير حجزنا لغرفة مٌطلّةٍ على ” الجراند كانال ” ولسوء الحظ ماديّا وحسنه معنويّا, لم تكن ثمة غرفة متاحة, بل جناح, مما يعني انفاق ضعف سعر الغرفة, مقابل الحصول على فرصة النوم والاستيقاظ على ” أجمل منظر في المدينة “.

          الغرف في فندق ريالتو كما هي في غالب الفنادق الفينيسيّة المحليّة, مؤثثة بأثاثٍ على طراز قصور البندقية وبيوتها في نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن الذي يليه, وهو الطراز الذي أصبح سمةً مميزة للمدينة إلى اليوم, غُطيّت جدران الغرفة بورقٍّ ذو ألوانٍ متداخلة, الزهري الفاتح ودرجاتٍ متفاوتة بين الأزرق والأخضر, وبالنقش نفسه كانت أقمشة الستائر, أما السرير فغُطيّ بمفرشٍ زهريّ وفرشت تحته سجّادةٌ زرقاءُ داكنة.

          الدولاب والمكتب وطقم الجلوس والشوفنيرة بالإضافة لتاج السرير, باللون الفستقيّ الفاتح, مؤطرين ببانوهاتٍ ذهبيّة رقيقة, لهم أرجلٌ دقيقة, وتم تزينهم برسمٍ يدويّ لأزهارٍ زاهية, أما الثريا والأبجورة الأرضية الطويلة, فمن زجاج مورانو الذي يُنفخ ويُشكّل يدويًا في جزيرة مورانو القريبة.

          سكنت الجناح كأميرةٍ إيطالية لثلاث ليالٍ, من نافذته أطل على جسر العشاق وهم يتهامسون ليلاً ويتأملون استدارة القمر وانعكاسه على مياه القناة التي تجري من تحتهم, يأتيني لحنٌ حزين من عازفٍ يحتضن قيثارته ويبيع موسيقاه على العابرين الذين ينقدون المال في قبعته الموضوعة أمامه. في الصباح, تعبر الشمس الستارة الشفيفة, وتصطك القوارب الراسية أسفل الشرفة, ويُسمع صوت الباعة وأصحاب المقاهي والدكاكين القريبة وهم يستفتحون يومهم وأبواب محالهم, وتبلغنا رائحة القهوة وتحميصها, ورائحة اليود.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s