زعفران

          كما لو أنها خيوطٌ من ذهب, كانت النساء قديمًا في بلادنا تحتفظ بالعلب الصغيرة التي تحتوي على خيوط الزعفران في خزائن المجوهرات مع حليّهن ومصاغهن الذهبي, لم يكن يستخدم في الطهو يوميّا, بل يخبّئ للأعياد والمناسبات السعيدة, كان يرش على وجه الأرز بعد نقعه بماء الورد كإعلانٍ عن الفرح أو تباهٍ بالقدرة المادية الفائقة للأسر التي تستعمله في مطبخها.

          يُقّدم أيضّا بعد وضعه في علّب فاخرة مطلية بماءِ الذهب أو مصنوعة من الفضّة ومبطّنة بالمخمل بجانب البخور والعطور والشبكة للعروس في يوم دزّتها.

          بعد أن دخل إلى أطباقنا تأثرًا بالمطبخ الإيراني حيث يُنتج معظم استهلاك العالم من الزعفران في ايران, أصبح مكونٌ رئيس في أغلب الأطباق التي تُقدّم على المائدة في الكويت, أطباق الأرز أو الحلويات أو حتى اضافته للشاي والقهوة, أصبح من النادر أن يمرَ على أحدنا يومًا دون أن تمس لسانه نكهة الزعفران.

          الحصول عليه أصبح أسهل – بالرغم من محافظته على ارتفاع ثمنه – وأصبحت النساء يحتفظن به في أدراج المطبخ بدلاً من الادراج المقفلة في غرفة النوم, إلا أنهن ما زلن يتعاملن معه بحذرٍ واقتصاد, ويتحريّن الفرص المناسبة للحصول على صفقاتٍ جيّدة حين شراءه.

          ولأن والدتي كامرأةٍ كويتيّة تحتفظ بخصلة البحث عن الصفقة الجيّدة لشراء الزعفران, توقفت فورًا عندما باغتتها رائحة الزعران العطرة المنبعثة من أحد الأكشاك الصغيرة في سوقٍ مدريديّ.

          بابتسامةٍ عريضة تكشف عن أسنانٍ لم تمسها فرشاةٌ قط, دعا الرجل والدتي لاستنشاق الرائحة بعدما مد يديّه وقرّب منها زجاجة الزعفران: تفضلي سيّدتي, لديّ ما تحتاجينه, الزعفران الاسبانيّ الأورجينال, قطف السنة, استنشقي, استنشقي بعمق, رائحته تخترق الرئتيّن, ما أزكاه.

          كانت هذه الدعوة الواثقة كفيلة بجعلنا نقف ساعةً من الزمن على أرجلنا – التي هدّها التعبُ – لنصغي لمدائح وفضائل ومزايا الزعفران الاسباني والزعفران الذي يبيعه هو بالذات, وراح يتلو علينا بجذل تاريخه الزعّفرانيّ:

  • أنا لستُ من مدريد, بل من طليّطلة, في طفولتي, كانت تصحبني والدتي إلى مهرجان قطف الزعفران الذي تقيمه بلدة كونسويغرا القريبة, حيث تكتسي الهضاب والحقول لونًا أرجوانيّا بفعل أزهار الزعفران التي شقّت الأرض ونبتت في موسم قَطافها.

كانت البلدة بأكملها وأهل القرى والبلدات المحيطة يتشاركون الاحتفال والفرح بموسم الحصاد الذي يستمر ما بين عشرة أيام إلى أسبوعين في نهاية أكتوبر, ترتدي النساء ملابسًا شعبيّة ويبدأ الرجال بالغناء, على مرّ السنوات, كان الاحتفال يأخذ شكلاً رسميّا شيئًا فشيء حتى أصبح من المهرجانات التي تشخص لها أنظار السيّاح ويتناقل العالم أخبارها.

بحكم سني الصغير, لم يكن يُسمح لي بالمشاركة في القطف, القطف يتطلب مهارة عالية وله عدّة قواعد, يجب أن تكون اليد التي تقطف الزهرة قويّة كفاية, ولطيفة في الوقت ذاته, بما يسمح لها بشدّها من الأرض بسرعة من دون إيذاء المياسم الحمراء, يجب أن تقطف الزهرة قبل أن تتفتّح كلّيا فتجففها الشمس.

بعد أن تقضي العوائل بضع ساعاتٍ بظهورٍ منحنيّة على أرضها التي انتظرت بركتها لمدة عامٍ كامل, يحمل كل شخصٍ سلّته التي امتلأت بالحصاد.

وتترك مهمة تنقيّة خيوط الزعفران للنساء اللاتي يبدين حينها بكامل سعادتهن, يثرثرن ويتبادلن الذكريات, كنت أراقب بشغف أيديهن وهي تُخضّب باللون الأصفر الذي يتركه الزعفران على أطراف أصابعهن, بينما يتحلّقن حول الطاولات الخشبيّة المستديرة, كان جبلٌ من البتلات الارجوانية يتكوّن أمامهن.

يُجفف بعدها الزعفران في أفرانٍ خاصة, ويحفظ في علبٍ محكمة الاغلاق, وقبيّل انتهاء المهرجان, تبدأ مسابقة الطهو بالزعفران, تتفنن كل أسرة بإعداد الباييلا والسمك بالصلصة وغيرها من الأطباق باستخدام حصادها من الزعفران.

وضع بعدها عدة خيوط من الذهب الأحمر كما يسميه في اناءٍ صغير وسكب عليه ماء وراح يشرح لنا كيّفية التعرّف على الزعفران الحقيقي والمغشوش عبر النكهة والرائحة واللون, وما إن أنتهى حتى كانت والدتي تحمل في يديّها أكياسًا ورقية بداخلها علب الزعفران التي تكفي أسرةً ممتدةً لعمرٍ بأكمله.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s