فلامنكو

في المسرح, في صفوفه الخلفيّة , عجوزٌ تجلسُ مثلي وحيدة , يكشفُ بريقُ عينيّها عن راقصةٍ كانت في ما مضى تراقِصُ الدنيا بيديّها , ابتسامُها الذي لا يتجاوز انحناءةَ بسيطةً في شفتيّها , يُنبأ عن ذاكرتها المتخمة بالحفلاتِ والفرح , ترى في الراقصةِ شبابها الذي أفل , وجسدها الذي كان يمتدُ ويمتد , دون أن يعي بأنه سينثني ويتحدّب كما هو الآن .

وفي الأمام , طفلةٌ ترتدي فستانَ الرقص , تحاول بساقيّها الصغيرتيّن تقليدَ الراقصة , تحرّك يديّها ضاحكةً مسرورة , ظناً منها بأنها قد أتقنت الرقصة !

أما أنا في الوسط , تأسرني هذه الرقصة بكل ما فيها من فرحٍ وتحدٍ وصخب , الفساتين الزاهيةِ المنفوشة , وتمايل الأجساد بخفةٍ وسلاسة , تدور الراقصة , فيتبعها ذيل الفستان, ذاك الذي تخرج منه ألوانٌ وألحانٌ وفراشات, تتطاير حولها, تتوهج محيطةً بها, ويصفق الجمهور, تضرب الأرض بقدميّها, حذاؤها الخشبي يصدر صوتاً أشبهُ بقرع طبول الحرب, وكأنها تنذرُ ببدءِ المنازلة, ببدءِ الرقصة .

تتصاعد الإيقاعات , تهبطُ وتعلو, كالجسد الراقص, كالانبهار المنبثق من أعيّن المشاهدين  وكالأنفاس التي تلتهب في الصدور .

الراقصة الحسناء, لها قَدٌ كجذعِ شجرةٍ عتيقة, جيدٌ يمتدُ للعلياء, وبشرةٌ سمراءُ مشوبةٌ بحُمرة  عيناها السوداوان صادقتين حين الرقص .

أتأملها, حينها فقط أدركُ قول نزار :

{ الراقصةُ الاسبانية تقول بأصابعها كل شيء

والرقص الاسباني , هو الرقص الوحيد

الذي يستحيلُ فيه الإصبعُ إلى فم

أنا في محلّي , وسيمفونية الأصابعِ هناك

تحصدني

تشيلني

تحطني

على تنورةٍ أندلسية , سرقت زهر الأندلسِ كله }

تبدو كفارسةُ حرب , حين ترقص تؤمن بان الرقصة لن تكون صادقة إلا حين تؤّدى كما أًديّت أول مرة , في نفس الظروف حاملةً الإحساسَ ذاتِه, وكأنها تستحضر روحَ الراقصةِ الأولى , تعودُ إلى سبعِ قرونٍ خلت , حيث نشأت رقصة الفلامنكو في الأحياءِ الفقيرة , في امتزاجِ الحزنِ بلوعةِ الاضطهاد , واستلهمت أنغامها من تأوهاتِ المظلومين , من موسيقى العرب المنهزمين في حضارتهم , من ألحانِ البروتستانت المسحوقين تحت قمع التعدديةِ الدينية , ومن فنون اليهود الذين ضاقت عليهم الأندلسُ بعد اتساعها..

الفلامنكو تختزلُ في حركاتها وإيقاعاتها حقبةً من الظلم, ورغبةً في التمرّدِ عليه والتخلّص من جماحِه, كانت تلك الرقصة الشعبيّة تعبّرُ عن حرّية الإنسان, عن رفضه الاستسلامَ لسطوة القوة, وعن رغبته في الفرح بالرغم من محاكمِ التفتيش.

وكأنها حين تؤدي وصلتها تطلق صرخات كل الذين حُرقوا أو قتلوا أو هُدمت منازلهم, لذلك أهم ما يتعلمه راقص الفلامنكو في بداياته, هو وقفية الاستعداد, الاستعداد للقتال, للدفاع, أو للهجوم, يجب أن تقول عيناه كم هو راغبٌ في الحرية, وكم هو ناقمٌ على الظلم . “إن الراقص الذي لا يؤمن بالرقصةِ التي يؤديها , الذي لا يؤمن برسالتها , لا يمكن له أن يكون راقصاً صادقاً مع نفسه , أو مع جمهوره.”  قالت لي موريتّا ذلك ,  بعدما سألتها عن سر الحزن الذي تملكني وأنا أشاهد أداءها

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s