مقهى بيير لوتي : روحٌ نصف شرقية

من المتع الإسطنبولية ركوب الترام في المدينة القديمة, كبسولة ضخمة تمر مسرعة بين المزارات التاريخيّة والبازارات والمحطات المهمة للتوقف والنزول, تنقذك من اهدار الوقت في زحام السيّارات, ولكنها تحشرك وقوفًا في زحام الناس, وإن كنت ذو حظٍ عظيم فستجد مقعدًا تجلس عليه.

          أحب اللكنة التي يعلن فيها التسجيل الصوتي عن الوصول لمحطةٍ ما, سيركجي, بايازيت, أكسراي وأمينونو, أمينونو والتي هي ذات الوقع الأحب على أذني كانت محطتنا للنزول في هذا اليوم, الشتويّ البارد, تتداخل غيومٌ رمادية مع المآذن المرتفعة للجامع الجديد ” يني جامع ” المبني في نهايات القرن السادس عشر, وتفوح رائحة اليود مختلطةً برائحة الأسماك والمحّار الذي يباع بأصدافه بواسطة الباعة الجائلون والأدخنة المتصاعدة من المطاعم المتراصة وروائح البهارات المنبعثة من البازار المصريّ, تختلط بالزحام وأنفاس الناس ودخان المراكب وما تنفثه عوادم السيارات, مشهدٌ تموج به الأصوات والروائح والناس والعربات والبضائع والصيادون على الجسر حريٌّ بأن يوقفك وسط هذه الفوضى لتتأمل..

          أنهينا الجولة في البازار المصري والذي يعتبر نموذجًا مصغّرا عن البازار الكبير إلا أنني أحب المرور عليّه لانخفاض أسعاره وإمكانية الحصول على بعض القطع الفنيّة التي تكون بمثابة اللؤطة, واتجهنا إلى منطقة أيّوب المجاورة.

          قبل وصولنا بأربعةِ قرونٍ وعشر كان جيش المسلمين الأول في طريقه لتحقيق النبوءة وفتح القسطنطينية, وكان في صفوفِهِ شيخٌ جليل وصحابيٌّ من صحب الرسول أدركه الأجل على أبوابها, فدُفن حيث فاضت روحه, سُميّ الحي باسمه, وبنيّ الضريح والمسجد, لقد كان أبو أيوب الأنصاري.

          من منطقة أيوب صعدتُ باستخدام التلفريك متتبعةً خطوات المستشرق لويس جوليان, كان النهار قد جاوز سويّعاته الأخيرة, والبرد يشتدّ, والمصعد المعلّق فوق المقابر والبيوت وقباب المساجد يوغل في ارتفاعه, والشمسُ من وراءه ناعسةً تَعِبة تميل بقرصها الأحمر ليخبئ في غيابة خليج القرن الذهبيّ, حين بلغنا أعلى التلّة وجلسنا على طاولةِ المقهى في حافتها, كانت المدينة القديمة تستريح تحت أنظارنا بعد نهارٍ مزدحمٍ آخر, كنهاراتها منذ البدء والقِدم, تصبغ سماؤها ومياهها ومبانيها بلونٍ برتقاليٍ وهاج, وتبدأ مصابيحها بالاشتعال, لم تفلح الألحفة الموضوعة على أظهر الكراسي بتدفئتنا فاضطررنا للاحتماء بالمبنى.

          مقهىً ببوابةٍ ضيّقة كُتب بجوارها Pierre Loti بخطٍ عتيق. أبصرته ما إن دخلنا, وجهٌ غربيّ بلباسٍ مشرقيّ وشاربٍ عثمانيِّ كثيفٍ ومبروم, مسترخٍ على المُتكأ يدخن أرجيلته, أمامه صينيّة نحاسية مرفوعة على قاعدة خشبيّة وخلفه على الجدار عُلّقت صوره وقصاصاته وشيءٌ من ذكرياته عندما بلغ هذا المكان في نهايات القرن التاسع عشر وألقى قلبه في حضن المدينة. لويس جوليان, أو بيير لوتي كما اتخذ لنفسه هذا الاسم الأدبي المركب المستوحى من أحد أبطال رواياته وزهرةٍ تنمو على الضفة الشرقية من المحيط الهادي كانت قد أعجبته.

          كان رحالّةً, مستشرقًا وكاتبًا, خرج من فرنسا ضمن صفوف البحرية الفرنسية, أُرسل لمدائن الشرق من المغرب إلى اليابان مرورا بالجزائر وتونس وبلاد الشام ومصر, شَهِدَ مُدنًا وبلادًا وصحارٍ وعجائبًا وشعوبًا وحروبًا ودوّن وكتب, من وحي رحلاته, كانت أغلب الروايات التي ألّفها تنطوي على غرائبية الشرق وسحره وعجائبه.

          ككلِ مُرتَحِل, لابد وأن يجد القلب مستراحه في مدينةٍ واحدة, بالنسبة لبيير لوتي كانت هذه المدينة هي إسطنبول, وتحديدًا هذه التلّة التي تردد عليها والتقى فيها بالمرأة التي أحبها وألهمته بكتابة رواية آزياده.

          حصل لوتي على الحظوة والمكانة في بلاط السلطان نظرًا لكتاباته المحبة ونصائحه السياسية المُشفقة خلال الحرب العالمية الأولى ونقده الشديد لسياسة الاستعمار والتوسع لبلده فرنسا, بالإضافة للمواطنة الشرفية من مجلس الوزراء بعد الثورة وبعد تأييده لحق الأتراك بالدولة العلمانية المستقلة.

          أطلق اسمه على التلّة والمقهى بالرغم منه أنه قد غادر الشرق إلى الأبد, وحمل شرقه معه إلى بلدته روشفور في فرنسا, بنى منزله من كل الأشياء التي حملها معه, سقفُ من مسجدٍ أموي في دمشق, بلاطٌ وقيشاني من إسطنبول, شواهدٌ مرمريّة للقبور, محرابٌ وسجاجيد وآثارٌ فرعونية, وامتلأ دولابه بالأزياء التي كان يتنكر بها في رحلاته, طرابيش وجلّابات وكيمونو وقفاطين وأرديّة البدو الرُحّل, قضى سنواته الأخيرة في الغرب مُحاطًا بمشرقه الخاص, ومرددًا : ” لا أدري بحكم أي وراثةٍ أشعر على الدوام بأن روحي نصفها عربية. “

          على ذكراه, شربنا القهوة, والتي تُعد منذ أيامه إلى اليوم بالطريقة التقليديّة, تُوضع على الرمل الساخن حتى تفور فتحمل وتقدّم.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s