إسكندر: الرجل الذي تحول لأشهر طبق في تركيا

الحيرة في إسطنبول لا تتوقف عند المدخل التاريخيّ الذي يأخذك إليها ولا الملمح العمراني الذي يمثّلها أو الكاتب الذي ستتبع كلماته فيها بل يمتد للمذاق الذي سيظل عالقًا على لسانك والطبق الذي ستشتهيه كُلما مرّ بك اسمها.

          طبقٌ معدنيّ صغير تسكنّه قطعة كنافة مقرمشة يقدّمه إليك النادل في محل بقلاوجي حافظ؟ جرّةٌ فخّارية تتلظى بداخلها قطع اللحم والخضار الغارقة بالصلصة الغنيّة تتناولها على الغداء في أحد المطاعم ذات الجلسات الشعبيّة المتفرّعة من أزقة حي الفاتح؟ الشوربة السليّمانية التي تُعد إلى اليوم كما أُعدت لأول مرة في مطابخ القصر للسلطان سليّمان؟ مكعبات الراحة بالورد؟ البقلاوة الخضراء المبرومة بالفستق والغارقة بالسكّر؟ الباذنجان والوصفات اللانهائية التي تفتخر ربّات البيوت بقدرتهن على اعدادها باستخدامه؟ إمام بيلدي؟ أبانوش؟ علي نازك؟ أم الكفتة؟

          قررت بالنهاية أن أكون تقليديّة جدًا, وأن لا أحاول الاستعراض بسرد تجربة الطهو في مطبخ سيّدة اسطنبوليّة تقدم دروس الطبخ للسيّاح أو وصف مائدة باذخة في أحد مطاعم النخبة, بل أن أعترف بأن الطبق الذي كنت آكله مرارًا وتكرارًا في كل غداءٍ أو عشاء كان ” إسكندر كباب “.

          الطبق الذي قُدّم لأول مرة بواسطة إسكندر أفندي عام 1867 وتوارثت عائلته من بعده الوصفة لأربعةِ أجيال, منذ أن افتتح مطعمه الشهير في بورصا ” إسكندر أوغلو “, ولأن الطعام المحبوب ينتقل على  أجنحة محبيه, سافر الطبق حول تركيا وانتشر في مدائن العالم, على طاولات المطاعم التركية التي يفتتحها المهاجرون.

          لم أكن قد تذوّقته قبل السفر لإسطنبول أول مرة, ولكني كنت قد سمعت عنه وعن ضرورة تجربته, ما إن قدّمه لي النادل في أحد المطاعم التقليديّة في حيّ ” الفاتح ” حتى عاجلني بحركةٍ استعراضيّة تضيف البهجة والمرح على تقديم الطبق, قام بسكب الزبدة المُذابة في إناءٍ نحاسيّ أشبه ما يكون بملعقة ضخمة ذات عصىً طويلة على وجه شرائح لحم الضأن المشويّة, تششش تششش, اختلط صوت الزبدة المغليّة بالرائحة الشهيّة التي انبثقت من الدخان المتصاعد, وارتفع تغريد عصافير البطن على وقع المشهد.

          يتكوّن الاسكندر كباب من ثلاث طبقات, صلصة الطماطم الساخنة, قطع الرغيف الممتلئة الوثيرة والمعكّبة,شرائح لحم الضأن المشوية الرفيعة, وعلى جانبه يوضع الروب التركيّ ذو القوام الثخين, يُزيّن بشريحتيّن أو ثلاث من الطماطم بالإضافة لقرنٍ من الفلفل الأخضر, أما الزبدة المذابة التي تُسكب على وجهه, فهي اللمسة التي تتغلغل كالسحر في الطبقات الثلاث.

          بالنسبة لي, طبق الاسكندر وهذه التوليفة العبقريّة بين مكوناته الحنونة, هو الطبق التركي الأقدر على منحك اللذة التي تتجدد في كل لقمة.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s