بييرا بالاس : الوصول على متن قطار الشرق السريع

قطار الشرق السريع

في السنيّ الدراسية الأولى، بالكاد أجّمع الكلمات، أقرأ قصص الأطفال ودروس اللغة العربية، وإلى جانبي، أختي وبنات عمومتي الأكبر سنًا، يتبادلن بينهن روايات يحرم تداولها بين الأطفال، كتبٌ معنونة بأسماءٍ مرعبة، ” موت ، مقتل ، جريمة ، لغز ” وبخطٍ عريض، تحت العناوين التي تبدأ بهذه الكلمات، أسمٌ يتكرر ” أغاثا كريستي “، كنت أراقب كتبها تتبدل بين أيديهن في المجالس، وأسمع أحداثها المؤسفة تتخلل أحاديثهن بكل تشويق، وأتوق لليوم الذي أكبر فيه، لأتمكن من الدخول لهذا العالم معهن، عالم روايات أغاثا كريستي، أغاثا التي تزوّجت من منقّب الآثار ماكس مالوان وصحبته في رحلاته إلى حلب وفلسطين وإسطنبول والعراق ومصر وكتبت من وحي رحلاتها تلك ومشهداتها رواياتٍ بوليسية تدور أحداثها في تلك المناطق مثل ” لقاء في بغداد ” و ” جريمة على ضفاف النيل ” التي كتبها وهي جالسة على شرفتها في فندق كتراكت في أسوان، والرواية الأهم، والتي هي مدخل رحلتي هذه، رواية جريمة في قطار الشرق السريع.

          هذه المرة, وصلت إسطنبول على متن مقصورة الزمن, في احدى عربات قطار الشرق السريع ” سيمبلون أورينت اكسبرس ” , وصلتها في العام 1934 عبر محطة سيركجي التاريخية بصحبة المحقق هيركيول بوارو والكونتيسة أندريني والكولونيل اربوثنوت والكاتبة أغاثا كرستي التي اخترعتهم بعد أن سافرت على متن هذا القطار وجعلت منهم شخصيات روايتها الأشهر ” جريمة في قطار الشرق السريع “. بفضل تلك الرواية، أصبح هذا القطار أهم أساطير السفر العريقة والباذخة في الأوساط الأوربية.

الأدب يمنح الأشياء هالةً برّاقة, وهذا ما فعلته رواية أغاثا في القطار حولته لأسطورة. القطار أنشأه رجل الأعمال البلجيكي جورج ناجلميكرز الذي ورث ثروة طائلة من والده المصرفيّ, أنشأه ليكون وسيلة سفرٍ مريحة ومثيرة في الوقت ذاته للأمراء والأثرياء والأكابر, ينطلق من باريس عبورا بفيينا وميونخ وبودابست وبوخارست إلى أن يبلغ درّة الشرق, إسطنبول. زوّده بمقصوراتٍ للنوّم, غلّف جدرانها بالخشب الماهوني اللامع وفرشها بالسجاجيد الشرقيّة وستائر المخمل وأضاءها بالشموع ,جهّزه بالصالونات الأنيقة والأواني الفاخرة والكؤوس الكرستالية ومقصورةٍ للطعام وأخرى للتدخين وغيرها للشاي, كان يشرف على القطار وتفاصيله بنفسه ويسافر على متنه بفرقة زبائنه.

وصلت إلى محطة سركجي ذات اللون الزهريّ البديع النادر والطوب الأحمر المجلوب من عدن ومارسيليا, وصلتها بعد بنائها بمئةٍ وثلاثين عام دون أن تؤثر كل تلك السنين على جمالها أو تنقص منه شيئًا, تصطف بداخلها ما يزيد عن عشر بواباتٍ مقوّسة تعلوها دوائر بنقوشٍ هندسيّة ملوّنة ينفذ منها الضوء ويكسيها بالسحر, أبدع بتصميمها المهندس الألماني تاسموند, قاعة انتظار فسيحة عالية الأسقف تتنزل منها نجفة نحاسية ضخمة بعشرة مصابيح وكراسٍ خشبية مصقولة, نوافذٌ تطالع وجه البحر, ومدافئٌ تعمل على الغاز مصنّعة في النمسا.

          على يمين قاعة الانتظار قاعةٌ لا تقل عنها أناقة خُصصت كمتحف لتاريخ القطارات في تركيا, يستعرض فيها الزمن متعلقاته وصوره, وكراسٍ حقيقة من المقصورات القديمة بالإضافة للأواني والألبسة وحقائب السفر والمجسمات والوثائق والتذاكر وأجهزة الهاتف والآلات الطابعة ومكتب مدير المحطة.

          أما على يسارها, يسار قاعة الانتظار فالمطعم والمقهى الذي كان يحتضن الركّاب في انتظار مواعيد رحلاتهم, على جدرانه علّق صورًا لأغاثا والمخرج السنمائي الشهير ألفريدهيتشوك ومجموعة من بوسترات الأفلام التي صوّرت في المحطة, وبالطبع لوحة كبيرة جدا تصوّر وصول القطار الأسطورة.

          ولأن إسطنبول حين ذاك كانت تفتقد لفندقٍ يليق بمكانة ركّاب قطار الشرق السريع, فقد طلب جورج من المهندس الفرنسي ألكسندر فالوري أن يشيّد فندقًا يكون امتدادًا لخدمات قطاره الفاره ومضافةً لرُكابه المميزين, وانتهى العمل في عام 1892 وأُفتتح فندق ” بييرا بالاس “.

مبنى رماديّ ضخم, يستقبل بوجهه خليج القرن الذهبيّ ويشرف على مداخل حي بيوغلو الاسطنبوليّ الراقي, تميّزه من بعيد عند رؤية المظلات الحمراء فوق شبابيكه. مصمم على طراز الآرت نوفو وبداخله يجمع بين الأسلوبيّن الشرقيّ الأصيل والأوربيّ الكلاسيكيّ في التأثيث والتصميم, تتداخل الجدران والأعمدة الرخاميّة مع الأقواس الأندلسيّة والقباب الإسلاميّة. كان حين افتتاحه أعجوبة زمانه, تفوّق حتى على قصر السلطان بالمميزات الحديثة وسبل الراحة, مُدّت فيه الكهرباء ووضع أول مصعد كهربائيّ في تركيا, مزوّد بمقعدٍ وثير من المخمل الأحمر, واستطاع نزلاءه الحصول على الماء الدافئ من فم الصنبور مباشرةً في حماماتهم في الوقت الذي لم يحظَ فيه السلطان نفسه بهذا الترف.

          الفندق المتحف, كان هذا هو الوصف الذي قرأته في مجلةٍ للسفر ألهبت حماستي لزيارته والنزول فيه, فندقٌ تواتر عليه الأدباء مثل همنغواي وبيير لوتي وأغاثا نفسها التي أقامت فيه وكتبت فصول روايتها في الغرفة 411 التي تحوّلت لمتحف صغير يمكن استئجاره وقضاء ليلةٍ فيه مع كُتب أغاثا وذكرياتها.

          نزله أيضًا امبراطور النمسا فرانز جوزيف – والذي يبدو ظاهرا أن روحيّنا التقت كثيرا حيث نزلت بأغلب الفنادق التي زارها – وملكة بريطانيا إليزابيث الثانية وجاكلين كيندي وأتاتورك.

          تردد عليه أتاتورك كثيرا, بل اتخذ الجناح رقم 101 كاستراحةٍ اسنطبولية يقضي بها أيامًا طويلة ويعقد الاجتماعات واللقاءات, يحتفظ الجناح إلى الآن بمكتبه وملابسه وسريره وأقلامه, تُرك المكان دون أن يُمس, ولم يُحدّث ضمن التجديد الذي أغلق بسببه الفندق لأربع سنوات وأعيد افتتاحه لصالح علامة جميرا في عام .

          الفندق لا يزال يستعرض العلاقة الغراميّة بينه وبين ذاكرته في كل طوابقه وأروقته. بالإضافة للحجرتيّن المتحفيتيّن, توجد بالطابق الأرضيّ مقصورةٌ تُحمل كالهودج, مزخرفة ومزيّنة برسوم كانت تُستخدم في حمل النزلاء بواسطة الحمّالين من محطة سيركجي إلى أبوابه, بجانبها مكنة المُحاسبة الضخمة التي استعملت قديمّا في البار.

          فاترينات عرض بقوائم الطعام المقدّم, الأكواب الأنيقة, الملاعق والشوك الفضيّة, فواتير العملاء, وقصاصات الصحف, الآلات الكاتبة والهواتف النحاسيّة والدواليب الأرابيسك, كلها من متعلقات الفندق قبل التجديد, لا تزال تعيش فيه وفيّةً لذكرى أيامِهِ الحلّوة.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s