تبضّع الفن في اسطنبول

لا شرقيةً ولا غربية، هكذا ستبدو لك اسطنبول حين تبلغها للمرة الأولى، مدينة بملامح متفردة، لا تشبه وجهاتك التي يممت شطرها قبل على الخارطة, تتكئ بأحد ذراعيّها على أوربا وبالذراع الآخر على آسيا, تأخذ من هذا وذاك, وتصنع أسطورتها.

أكثر ما شدني إليها هو هذا التفرد، على عكس المدن التي تتشابه وتتراص بجانب بعض, مدينة مكتفية، تلهم نفسها بنفسها، تستوحي فنونها من روحها المتجذرة في القِدَم وقصور سلاطينها وابداعات حرفييها وأيقوناتها الدينية وبساتينها وأدبياتها، حين تتيه في متاحفها وأزقتها وأسواقها ستتلمس ذلك بشدة.

ولمن هم مثلي، مولعون بالفن وحمل المدائن إلى منازلهم سيعودون بحقائب متخمة، لن تبخل عليهم اسطنبول بشيء، وهي التي حولت كل ايقوناتها الى اعمال فنية وتحف صغيرة, بازاراتها القديمة عبارة عن متاحف مفتوحة، تستنسخ الماضي وتعيد صنعه أو تبيعه كما عثرت عليه, تستطيع أن تأخد منها ما تشاء لتشبع شغفك، ولن تتوانى عن ابهارك بالجديد, كلما عدت لها تتباهى بقدرتها على الابتكار والصنع.

لكلِ مدينةٍ فنونها، وحدها اسطنبول واسِطَةُ العِقد ومجمع الفنون، أياً كان شغفك، ومهوى فؤادك ستجده في أسواقها وقصورها ومتاحفها وحتى ابسط شوارعها وحوانيتها، اسطنبول التي هوت لها أفئدة المُدن والعواصم لقرونٍ عدّة، استرضاءً لعظمة السلطان وطمعاً بكسبِ محبته. كانت الشعوب تتودد له بأبهر وأجمل وأجود ما تنتج، حتى صارت اسطنبول نفسها، مجمع الفنون. رأيت ذلك بوضوح في أعمالها الفنيّة وتحديدًا في الأثواب العثمانية النسائية التي تعرض بكثرة في محالِ بيع الذاكرة والانتيك والتاريخ، أقف أمامها معلّقةً بين اكداس النحاسيات والفضيات والمجوهرات القديمة, تجسّد انصهار فنون الشرق والغرب في ثوبٍ عُثماني, مطرّزٌ بخيوط النحاس والفضة وفقّا لفن الصرما, ومزيّن بالدانتيل الفرنسي, بألوانٍ شرقيّةٍ مشبعة.

في كل زيارة لإسطنبول, أضع التسوّق الفني على رأس قائمة أهدافي, ولابد من قضاء نهارٍ بأكمله في دهاليز البازار الكبير/ البازار المسقوف ودكاكينه الخلفيّة, دخول البازار من أحد أبوابه الضيقة, أشبه ما يكون بدخول مغاراتٍ متتابعة, في كل مغارةٍ عشرات الدكاكين وفي كل دُكانٍ عشرات الفنون وعشرات المذاقات وعشرات عشرات الخيارات التي تزيغ أمامها الأبصار وتخفق لها الأفئدة.

أمر بصاغة الذهب, أطلع على جديدهم من الحليّ التركية التي تُعرف بثقلها وارتفاع قيمتها وتصاميمها الغليظة, نظرة واحد لصوّر العرائس التركيات وخصوصا بالقرى كفيلة بجعلك لا تتعجب أمام ضخامة العقود والأساور المعروضة, أقضي وقتًا في ” محال المذاق ” كما أحب أن أطلق عليها, المحال الصغيرة التي تصطف فيها أدراج المكسرات والحلويات والملبسات والشايات والأعشاب والزهورات والحلقوم والكستن الطري المغمّس بالعسل والفاكهة المجففة وكل ما يخطر على بالك من لذائذٍ مغلّفة بالورد ومنكّهة بشراب الرمان أومملّحةٍ ومدخنّة . أتوّغل في تفرّعاته, يناديّ عليّ الباعة كلٌ يدلل على بضاعته بالكلمات العربية الشحيحة التقطها من السيّاح وتفي بالغرض.

البازار عبارة عن استعراضٍ لقدرات إسطنبول الفنيّة العالية, أطباقٌ تدور عليها الدراويش وكؤوس الشاي بنقوش التوليب, وفازاتٌ من السيراميك مرسومة بكلماتٍ صوفية مثل : عشق و لا موجود إلا هو, لفظ البسملة أو الطغرى العثمانية, رُمانات زجاجية وأخرى خزفية, سجّاد حرير وكليمٌ منسوج من الصوف, مجسّمات لسلاطين ودراويش وعازفون وجحا وجواريٍ حسان, ثريات نحاسية متدليّة, بضائع جلدية, وسائد مطبوعة بلوحات المستشرقين, شالات من صوف الماعز الناعم, مفارش ومحارم ودانتيل, ألبسة لعلاماتٍ تجارية مقلّدة, أنتيكات باهضة, سبح من الكهرب النفيس وحليّ بأحرفٍ عربية مثل الألف والواو والنون ذات الدلالات الدينية, مناشف قطنيّة ناعمة تشتهر في الحمامات التركية وصابون وزيوتٌ عطرية لتطرية الجسد وإصلاح عيوبه بأسرار الجمال, صوانٍ نحاسيّةٍ مطروقة وركوات القهوة بأحجامٍ وألوانٍ وتصاميم مختلفة.

ومع أي عملية شراء واختيار ومفاصلةٍ على السعر, لابد من ” إكرام “, استكانة الشاي المقدّم كامتنانٍ وشكرٍ وترحيب من صاحب المتجر.

في وسط السوق, مقاهٍ لا يكتمل مشهد المكان من دونها, لا تتجاوز عدد أصابع اليد, بطاولاتٍ صغيرة ممتلئة على الدوام وديكوراتٍ تقليديّةٍ مفعمة بالألوان, تجتذب المتعبين بعد جولات التسوّق, أو الراغبين بتأمل المشهد الذي يموج فيه الناس وسط البضائع والعجائب مع ارتشاف كوب قهوة.

صحفلار: جنة النقاشين والخطاطين

بجانب البازار, ساحةٌ مربّعة تتوسطها أشجارٌ ضخمة وتمثال “ابراهيم متفرقة ” المؤرّخ الإسلامي وصاحب أول مطبعة وآلة طابعة للأحرف العربية, نشر الكتب وعمل في المجال الدبلوماسي والترجمة واستحق التكريم بوضع تمثاله في وسط ساحة ” صحفلار ” ساحة بيع الكتب القديمة والأوراق والصحف بجانب البازار الكبير

في الساحة التي يتجاوز عمرها القرون الخمسة, ستطوف بك أطياف النقّاشين والخطاطين والرسامين الذين حكى أورهان باموق عن عوالمهم الخفيّة في روايته ” اسمي أحمر “, وسترى آثارهم في كل لوحةٍ مخطوطة, أو رسمٍ لمنمنمةٍ قديمة أعيد أحياءها بواسطة الفنانين الجُدد, أقصد الساحة لاقتناص الكتب الفنيّة المصوّرة حول إسطنبول وفنونها ولابتياع لوحات الخط والرسم العثمانيّ وتبادل الحديث مع الخطاطين حول أعمالهم وجذور فنّهم.

هورهور أنتيكا ماركت

مكانٌ آخر في اسطنبول قصدته للتبضّع الفني, وصلت الشارع المدوّن في العنوان ورحت أسأل الباعة والناس في الحي, البقال, عامل النظافة, الصبيّة الصغار والعابرين, جميعهن كانوا يهزون رؤوسهم مستغربين مما أبحث عنه, كدت أيأس كمن يبحث عن قطرة ماءٍ في بحر!

بدى الأمر غير منطقي أن لا يعرف سكان الحي بوجود سوق الأنتيك الهائل بجانبهم, ” هور هور أنتيكا ماركت ” رددت الاسم الذي يبدو كتعويذة هاربة من كتاب سحرٍ أسود, سلكت طُرقًا ضيقة ومتسخة ومسدودة أحيانًا, ثم وجدت نفسي فجأة أما عمارة رمادية قديمة دخلتها إلى القرن الثامن عشر, المكان شبه مظلم بالرغم من سطوع الشمس خارجه, ويعجّ بأكثر من مئة ألف قطعة أنتيك موزعة على خمس طوابق وأكثر من مئة محل.

تجوّلت بين القطع بخشوع, وقفت متأملةً دقة الصنع وبراعة الجمال, الجمال الحقيقي العتيق حيث كان كل شيء يُستخدم في الحياة اليومية عبارة عن تحفة تروّح عن الروح وتبهجها, الأكواب الليموج الوسائد الحريرية, مشابك الشعر المذهّبة, الأقلام الرشيقة, التماثيل في الشمعدانات النحاسية والبراويز والمرايا, أكوامٌ من الأنتيك العثماني والفرنسي والانجليزي والدمشقي, تتداخل وتتكدس فوق بعض, كل ما عليّك هو أن تنفص الغبار وتتجول بينها بحذر حتى لا تُقع شيئًا منها وتفاصل لتنقص السعر الخياليّ المعروض دون أن تفلح بذلك !

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s