ساد بيرك هانم : ذاكرة نساء اسطنبول

بعيدًا عن الأحياء المكتظة في اسطنبول, ينزوي حيّ ساريير في نهاية مضيق البوسفور جهة البحر الأسود, اتخذه السلاطين كمكانٍ للتنزّه وسط طبيعته الخضراء ونقاء هواءه وانبساط شطآنه, تبعهم بعد ذلك التجّار والسياسيين والدبلوماسيين وأكابر القوم, بنو بيوتًا وقصورًا على حواف الماء بواجهاتٍ خشبيّة تُسمى ” يال “, تتجاور بشكلٍ حميمٍ, ولا تشبه في شيء اسطنبول التي نعرفها.

البيت/ المتحف من الخارج

          عندما عبرت المضيق على متن مركبٍ سياحيّ في زيارتي الأولى لإسطنبول كانت عينايّ معلقتان على تلك الفيلات التي تطالعني من ضفتيّه. شراء منزلٍ على البوسفور هو الترف الذي يتمتع به الأثرياء والأمراء وورثة السلاطين في الماضي, والشغف الذي يبحث عنه المثقفون والفنانون والمصممون اليوم, أما أنا, فكل ما تمنيّته هو استكشاف حجرات تلك الفيلات العتيقة, التي تحتضن الزمن القديم وتغري بطرق أبوابها والإصغاء لحكاياتها.

          واجهته بلونٍ كريميّ فاتح, تتقاطع عليه عمدان الخشب البيضاء لتسنده, وتضفي عليه شكلاً يميّزه, بُنيّ في نهايات القرن التاسع عشر, كسكنٍ صيفيّ لعائلة كوش الثريّة, وفي الخمسينيات استملكته منظمة وهبي كوش الثقافية الخيريّة ونذرته للعمل المجتمعيّ, بعد وفاة السيدة سادبيرك زوجة وهبي كوش وشريكته في احتضان الثقافة والفن والتراث, قرر الورثة تحويل البيت لمتحفٍ يخلّد جهودها في صون الذاكرة الأرق للمجتمع, فصار متحف ” ساد بيرك هانم. “

          احتفظ البيت بأثاثه القديم, على الطراز الفرنسيّ الفاخر, ودرجه الملتفّ بأناقة بين طوابقه الثلاث , تسمع صرير أرضياته الخشبيّة في كل خطوةٍ تخطوها عليه, في الطابق السفليّ حيث متجر المتحف والمكتب الإداري, بهوٌ تعلوه ثريّة كريستالية بطاسات ووردات من البوهيم باللون الفستقي الفاتح, وبيانو, شمعدانيّن نحاسيين ضخمين, ورسومٌ بورتريهية لربّة البيت, سادبيرك وزوجها وهبي.

          كانت سادبيرك هانم شغوفة بحياة النساء في المجتمعات التركية القديمة, في القُرى والقصور وخلف أسوار الحرملك وبداخل البيوت البسيطة, جمعت خلال حياتها مجموعة هائلة من الأزياء المطرّزة والمشغولات والقفاطين التراثية المُزيّنة بخيوط النحاس والفضة وفقًا لفن الصرما, أو المنسوجة من الدانتيل, المحمّلة بذاكرة الفرح والمناسبات, قطع من الحرير المُحاك لقفاطين السلاطين والوسائد والفُرش.

          المتحف يعرض هذه القطع النفسية خلف الفاترينات الزجاجية في مشاهدٍ تمثّل شكل الحياة حين ذاك, قبل كل نافذة عرض, هناك لوحة تصورّ المشهد, وسيرةٌ تحكي حكاية القطع, من المقتنيات أيضّا القباقيب الخشبيّة العالية المستخدمة في الحمامات والأواني النحاسية للصابون وسكب الماء, العديد من القطع الخزفية من ازنيك والبورسلان الصينيّ والفضيّات الفاخرة والحليّ المنقوش بالطغرى العثمانية.

في البيت/ المتحف، أنت أمام الذاكرة الأكثر غنىً وندرة لنساء إسطنبول وسلطاناتها.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s