قيشاني : الجمال الذي كلما أعدت فيه بصرك أذهلك

          الطين المعجون بروح الشرق وألوانه وأحرفه وزخارف أزهاره، ليتحول إلى تحف كلما نظرت إليها ازددت بها اعجابا, لا تعتاد عينيّك على جمالها أبدا فتملّه، من بين عشرات الفنون التي شاهدتها حول المُدن، الزليج والجبس والكرستالات والفضيات والخزفيات والنحاسيات والسيراميك والأسقف المرسومة المزخرفة، استطيع أن أقول بأن ألواح وفازات وأواني ” القيشاني ” هي أبدع ما رأت عيناي.

هذه الحرفة انتقلت من بلاد فارس من كاشان وحملت اسمها لتركيا واستقرت بعد ذلك في بلاد الشام لتتخذ شكلها الأخير وتستلهم نقوشها من الأزهار والحكم والأمثال المتداولة على ألسنة الناس، الحرفة تكاد تندثر مع تضرر التراث اللامادي في سوريا بسبب هجرة الحرفيين وتدمير المصانع والورش والحرب، الحرب التي تأتي على كل شكلٍ من أشكال الجمال/الحياة، فتسلبه.. ولكن الفن يقاوم ليستمر.

          في إسطنبول, علّقت نظري طويلا على تكسيات القيشاني لجدران قصر الباب العالي لاحتفظ بأكبر قدرٍ من الجمال الذي أضفته ألواح القيشاني في تلاوتها لآي القرآن, خاشعةً منذ عقود, تهيبُ بجلال كلُ من يقف في حضرتها, كما في قصر محمد علي في القاهرة وفي بعض الرياضات التي حملته من دمشق إلى مرّاكش, كنت في كل مرة أشاهد صوره في أسواق دمشق العتيقة, أذوب شوقًا لحمله إلى منزلي.

          بعد أن غادرت عالم الحريم في قصر الباب العالي, وجناحهم الموشّى بالأزرق والتركواز والأحمر والذهب وصالة طعامهم المرسومة بزهور القرنفل وأطباقٍ ملأى بالرمان والفاكهة, رحت اهيم في المدينة القديمة, أدخل زقاقًا وأغادره إلى آخر, جَذِلةً بالفن الذي نهلت منه, وقعتُ على صحنٍ من القيشاني في أسفل فاترينة عرض لمحلِ أنتيكٍ أوربي, وكأنه قد تنزّل من السماء في لحظة التجلّي, أسرعت باتجاهه وطلبت من البائع اخراجه لي فطلب به سعرًا يفوق قيمته أضعافا, حاولت تخفيض السعر خصوصا وأن ثمة كسرٌ في أطرافه فأخبرني بأن الصحن ليس له, بل لتاجرٍ سوريّ حمل ما يستطيع حمله من بضاعته وعرضها عنده, وكانت هذه القطعة هي ما قد تبقى, أذعنت ودفعت ثمنه, حملته كمن يحملُ الدنيا وما فيها في كيسٍ بلاستيكي.

           في أسواق الانتيك في عمّان والقاهرة وبيروت شاهدت أواني القيشاني التي غادرت البيوت الدمشقية القديمة لتسكن غُربتها في محال الأنتيك، مشروخة ومجروحه وحزينة، القطعة منها تُباع بمئات الدولارات بقلبٍ كسير وحنينٍ طاغٍ لرائحة الياسمين، لطبطبةِ المالك الحقيقيّ الأول ويدِ الفنان التي راقصتها وزيّنتها ونفثت فيها الحياة رغم كونها طينٌ لازب.

          كانت جليّة, الذاكرة الحزينة للانتيك الدمشقيّ في بيروت، في السنوات الاخيرة ومع زيادة اللجوء السوري للأراضي اللبنانية، اضطر الأهالي لحملِ ما توارثوه من قطعِ الأثاث الصدفية والقيشاني والنحاسيات والأوبلين والكريستال البوهيمي التي تمتلئ بها بيوت الشام العتيقة، لتكون قرابين يقدّمونها بثمنٍ بخس لتجار الانتيكا مقابل الحصول على مبالغ مالية تعينهم على الحياة في لبنان.
          بالإضافة الى القطع النفيسة المسروقة والمهرّبة من تلك البيوت المتروكة جرّاء الحرب والنزوح. انها الحرب حين تأتي على كل شيء، كل جمالٍ وكل حياة، شرّدت حتى الجمادات التي ما برحت مكانها لعقود.

القيشاني في أسواق الأنتيك, بيروت

          ألتقيت بعدها بالسيّدة جمانة, الحلبيّة التي حملت تجارة والدها معها إلى بيروت, القيشاني والصدف والموزاييك والزجاج المنقوش بماء الذهب والملوّن والنحاس المطروق, كانت تحتفظ بعلاقتها مع الصنّاع والحرفيين, وتبدع بإدخال أساليب وتصميمات جديدة على القطع التراثية, ابتعت منها ” طقم سفرة ” كامل, أستخدمه للاحتفاء بالإفطار الأول في رمضان, وفي الأمسيات المميزة لاستضافة الأصدقاء ولإبهار الضيوف الجدد بمائدة لم يروّها من قبل, في كل زيارة للبنان كنت أتوق للحصول على جديدها أو كنت أطلب منها بعض التصميمات بعبارات منتقاه لتنفيذها خصيصا لمنزلي.

بعضٌ من مقتنيات القيشاني في المنزل

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s