متحف البراءة : إسطنبول أورهان باموق، المدينة والرواية

          من باب الطائرة إلى باب المتحف, هذا ما حصل معي تماماً في عام 2014 عندما سنحت لي الفرصة بزيارة متحف البراءة الذي افتتح قبل ذلك بسنتيّن, لم تكن الرواية الصادرة في العام 2008 قد تُرجمت بعد ولم أكن قد قرأتها, ولكن افتتاح متحف أدبي في إسطنبول بواسطة أورهان باموق حدثٌ لا يمكن تفويته.

          كنت في رحلةٍ إلى اليونان على متن الخطوط التركية, تتخللها أربعُ ساعاتٍ للانتظار خوّلتني للقيام بزيارةٍ مكوكية من مطار أتاتورك إلى المتحف وما حوله إلى المطار.

           Museum of Innocence أريّت سائق سيارة الأجرة ورقة كنت قد دوّنت عليها الاسم, رد عليّ بالتركيّة المشروحة بلغة الإشارة ففهمت منه أنه لا يعرف الإنجليزية قلت له أورهان باموق, اورهان باموك, نوبل, رايتر, بووك, نوفِل, حاولت وحاولت دون فائدة, إلى أن أريته العنوان مكتوبًا بالتركية في الصفحة الإلكترونية للمتحف, فأخذنا إلى الحيّ دون أن يفلح بالوصول إلى مكان البيت / المتحف. حفاظًا على الوقت الذي كان أثمن من الذهب والماس والزمرّد في تلك الظهيرة, طلبت منه أن ينزلني لأتابع البحث سيّرا على قدميّ, خصوصًا وأن الشارع كان ضيّقًا لا يتسع إلا لسيارةٍ واحدة, والمنعطف الذي يفوت يستحيل العودة إليه بأقل من نصف ساعة بسبب الزحام.

          أنزلني في شارع تشوقور جمعه أو جوكورجوما كما يُلفظ هناك, بين بيوتٍ صغيرة تتراصُ وتتزاحم بشكلٍ يفصح عن المستوى المتواضع للسكان, سيارات قديمة نسبيّا, دكاكين البقالة, مقاهيِ محليّة صغيرة متناثرة, محال خرداوات وانتيك, طرقات تتفرع وتمتد بين البيوت هبوطا ونزولاً مرصوفة ببلاطٍ رماديّ غيرُ متساوٍ, وشبابيكٌ نال منها الزمن, سألت وسألت, وكانت الإجابات التي أحصل عليّها إما اجابةٌ مجتهدةٌ خاطئة أو إجابة بعدم معرفة ما أبحث عنه.

          إلى أن طالعني بيتٌ باللون الأحمر الداكن على ناصية الشارع, حديث الطلاء بهيّ الطلعة, تقصده مجموعة من السياح الشُقر مكونة من خمسة أشخاص يحملون الرواية, تبعتهم وحمدت الله حمدا طيّبًا مباركًا أن أبلغني غايتي ومنيتي ومبتغاي, قبل أن تبغتني الساعة.

          قطعت التذكرة من الشباك على جانب المنزل, إلا أن السيّاح الذين كانوا يحملون الرواية اكتفوا بختم الصفحة الأولى من رواياتهم والدخول مجانًا إلى العالم الذي بناه أورهان عبر الأدب وجمع الأشياء.

          الفكرة التي كانت قد تكوّنت لدي هي أن المتحف يستعرض الأشياء التي ذُكرت في الرواية, ثلاثة وثمانون فاترينة وزاوية للعرض, تتزاحم فيها الصور والأدوات والمتعلقات الشخصيّة بحسب ورودها في فصول الرواية الثلاثة والثمانين فصلاً, استعرت سمّاعةً لشرح المعروضات, كان الشرح بسيطًا وغير كافيّا لجعلك تتبادل الأحاسيس والمشاعر مع القطع التي تراها أمامك, ناهيك عن ضيق الوقت واضطراري لتجاوز بعض الفصول, والمرور سريعا عند بعض الفاترينات التي يصعب فك طلاسمها, ولكن هذا لا يمنع من أنني قد تمتعت برؤية مجموعة من الأشياء القديمة والانيقة موضوعة بجانب بعض, توجهت بعدها لمتجر المتحف, ابتعت كروتًا تذكارية وكتابًا مصوّرًا يدوّن فيه أورهان باموق عملية تكوين المتحف وجمع معروضاته, بالإضافة لصورٍ وشرحٍ تفصيليّ لكل فاترينة.

          بعد ذلك بثلاث سنوات صدرت الترجمة العربية من رواية ” متحف البراءة ” ابتعتها على الفور وقرأتها مسترّجعةً كل ما رأيته في المتحف, ومستعينةً بالكتاب الذي حملته معي, كانت كل فاترينه تحمل عنوان فصلٍ من فصول الرواية, وتعرض الأشياء التي ذُكرت فيه.

          إذا كان الغرض من الروايات هي جعل القارئ يتخيّل الحيّوات الأخرى, التي يقرؤها دون سابق خبرةٍ أو معرفة بها, فأورهان باموق أراد أن يجعل قارئه يرى ما قرأه, يتلمّسه ويشعر به, أن لا يكتفي بتخيّله وبناءه في عقله.

          خضت التجربة بالمقلوب, ابتدأت من النهاية, زرت المتحف ثم قرأت الرواية, فكنت كمن فقد ذاكرته ثم وجد مخطوطًا يدوّنها, فراح يقرأ ويجمع ويربط ويتذكّر, عندما قرأت الرواية عبرت مع بطلها كمال الطريق للبيّت مرة أخرى, صعدت معه الدرج وتناولت الغداء مع أسرة محبوبته فوسون, أصبح للفستان المُزهر في الفاترينه رقم 72 معنى وللسرير النحاسيّ والدراجة الصغيرة في الطابق العلويّ حكاية وللحقيبة الجلدية من ماركة جيني كولون باللون كريمي في النافذة الثانية أهميّة قصوى حيث أنها كانت السبب في كل العذابات التي ستحملها الرواية لأبطالها.

          ما فعله أورهان هو بناء العالم الروائي ليس على الورق وفي المخيّلة فقط, بل في الحيّ والشارع والبيت الذي وقعت فيه معظم أحداث الرواية.

          في الرواية يتركزّ الزمن بين السبعينيات والثمانينيّات, ويتوزع شخوصها بين الطبقة البرجوازية والفقيرة, ويجمع أورهان أشيائهم الشخصية وصورهم وتفاصيلهم وملامح حياتهم وأثاث منازلهم وأدواتهم اليوميّة من منزل عائلته ومتاجر الخردوات وبيوت أصدقاءه والناس الذين كانوا يتخلصون من متعلقات تلك الحقبة, يجمعها ليصنع روايته وعالمه ومتحفه, لمدة خمسة عشر عام كان يجمع الأشياء, يمزجها بذاكرته الاسطنبولية يستعرضها أمامه ويبث فيها الحياة عبر كتابتها والاسهاب في وصفها وتضمينها في حياة شخوصه, بشكلٍ يجعلك لا تشك أبدا بأنهم غير حقيقيين, غير موجودين.

          في ظاهرها, الرواية تحكي قصة حب, وبالتوازي تحكي ذاكرة جيل السبعينيات والثمانينيات في إسطنبول, تحكي شكل المدينة وأفراحها واتراحها وعاديّتها ويومياتها وأدواتها ولباسها وطبقاتها واسلوبها في الحياة, وتعرضها في متحف, يقول عنه أورهان باموق في حفل افتتاحه ” المتاحف ليست للملوك والجنرالات فقط, ماذا عن الناس العاديين؟ ماذا عن متحف يعرض ذاكرة الناس وأشيائهم وتفاصيل حياتهم اليوميّة.” وكأنه أراد أن يقبض على زمن شبابه وعلى أسطنبوله الخاصة كما رآها وعشقها في السبعينيات والثمانينيات, الكاتب الذي مجّد مدينته وحملها في كل عملٍ أدبيّ, أراد أن يريها لقرّائه رأي العين.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s