مقهى فلوريان : الغواية الأولى للقهوة في أوروبا

فلوريان، فنجان القهوة الأول في أوربا

          في القرن السابع عشر بينما كانت السفن التجارية تبحر بين موانئ البندقية وموانئ اسطنبول, حملت السفراء والبضائع والفنون والرحّالة والرسامين والكُتّاب والمذاقات وحبوب البُن, الحبوب السحرية التي أتى بها تاجرٌ إيطاليّ تذوّقها في الباب العالي, فلسعت لسانه وأوقدت ذهنه ودبّت النشاط في روحه,. حملها معه بأكياسٍ قماشية إلى دكانته في البندقيّة, وكما قوبلت لأول مرة في مصر واسطنبول بالاستهجان والرفض الدينيّ والتحريم من قبل المشايخ, ما إن بدأت تسري بين الناس حرّمها البابا أيضًا وأطلق عليها اسم ” شراب الشيطان ” لمذاقها المرّ ولونها الأسود ومفعولها السحريّ, وبعد أن أثبتت القهوة براءتها من السحر والضرر والإدمان سُمح بها.

          في العام 1720 علّق فلوريان فرانسيكوني لافته فوق أحد متاجر ساحة سان ماركو بحروفٍ سوداء عريضة كُتب عليها FLORIAN ليفتتح بذلك أول مقهىً راقٍ في أوربا, يقدم القهوة والنبيذ والشاي الذي عبر من آسيا إلى اسطنبول فاليونان فالبندقية, أصبح المكان المؤثث بطاولاتٍ رخامية صغيرة ذات أقدامٍ من الحديد المشغول والكنبات العنابية الوثيرة وجهة محببة للسكان, يجتمعون فيه نهارًا ويسهرون في المساء, لتنفرط من بعد سلسلة المقاهي وتنتشر في انحاء إيطاليا.

          فلوريان والورثة الذين أتوا من بعده, لم يكتفوا بما قدّموه, بل ابتكروا أصنافًا خاصة بالمقهى بتغيير درجات تحميص البن أو مزجه بمكوّناتٍ أخرى مثل الشوكولاته أو القرفة أو كريما النعناع مثل ما حصل مع الشراب الساخن الذي أطلقوا عليه اسم ” كازنوفا ” تيمّنا بالشخصية الأدبية اللعوبة, حيث كان كازنوفا من روّاد المقهى, يجلس فيه لساعات ويصطاد النساء اللاتي يقعّن في غرامه من أول نظرة لما له من تأثيرٍ جذّاب وحكاياتٍ غرامية, كان مقهى فلوريان في زمنه هو المكان الوحيد الذي يسمح باجتماعات النساء خارج المنازل.

          وبمرور الزمن, توسّع المكان, وأضيفت له قاعاتٌ مذهلة, حوّلته من مجرّد مكان لاحتساء القهوة إلى ملجئٍ تستكن فيه الروح وتتسلّى العيّن بالفن الذي يحاصرها على الأسقف والجدران.

          في النصف الثاني من القرن التاسع عشر, استعان ملّاك المقهى بالرسّام المستشرق جياكومو كاسا لرسم جدران القاعة المشرقية بلوحاتٍ مستوحاه من الجواري والنساء الفاتنات اللاتي شاهدهن في رحلته للشرق بداخل إطاراتٍ ذات أقواسٍ أندلسية, أما سقفها فقد غطاه بالنقوش الاسلامية. قبالتها توجد القاعة الصينيّة برسومٍ ذات ألوانٍ مشعّة أبدعها الرسام انطونيو باسكوتي تمثل شخوصا من الصين بثيابٍ زاهية بالإضافة للمرايا العريضة التي تعكس مشاهداً من القاعتيّن المتقابلتيّن فتبدوان كمتاهةٍ من اللوحات والعوالم المتداخلة.

          في قاعةٍ صغيرةٍ منفصلة, أطلق على المكان قاعة الفصول, حيث تمثّل كل لوحة مرسومة فيه امرأةً ترمز لفصلٍ من فصول السنة, في بروازِ الربيع تبدو فتاةٌ فاتنة بثوبٍ ورديّ تفيض في يديها الأزهار, في الخريف, ترتدي فستانً يميل للصفرة وتمسك بعناقيد العنب, في الصيف تحصد القمح وفي الشتاء تتدثّر بلحافٍ صوفيّ وتمضي.

          وإن اكتفيّت من الفن, بإمكانك أن تشرب قهوتك في الطاولات الخارجية المطلّة على ميدان سان ماركو, فرقة الأوكسترا بثيابها الأنيقة وبزّاتها الحمراء, تغلّف المكان بموسيقى كلاسيكيّة, مقطوعاتٍ لشوبان وفيفالدي وبتهوفن, والنُدل ببدلاتهم البيضاء ذات المعاطف الطويلة.

وتأكدت يا عزيزي القارئ :

إن السحر الكامن في مدينة البندقيّة يتبدّى شطرّه في الأبنيّة والقنوات المائية والأقنعة وقوارب الجندولا, والشطر الباقي في مقهى فلوريان.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s