اسكندرية بحري

اسكندرية بحري

          المدن توزّع أسراها على أماكن عدة, ولكن يوجد على الدوام مكانٌ واحد يتفوّق في اختزال المدينة وتجسيدها.

          بعد أن زرت فنادقها التاريخية وتتبّعت خطوات أدباءها وشربت القهوة في مقاهي خواجاتها وركبت حنطورها وتسوّقت من أنتيكاتها وقرأت في مكتبتها ومشيت على كورنيشها, عثرت عليّها قبل أن أتوجه للمطار في حيّ الجمرك.

          ” بُصي, هي دي اسكندرية, اسكندرية هيَّ بحري, إن ما جتيش هنا تبئي مانزلتيش عالاسكندرية ” في طريقنا ألقيّنا التحيّة على سيدي المرسي أبو العباس الوليّ السكندري الذي وفد على المدينة من الأندلس حاملاً علوم الدين وكرامات الله فأقام له الناس جامعًا وضريحًا لما توسموا فيه من خيرٍ وبركة, كما هي عادة السكندريين في إضفاء صفة الولاية على كل من تظهر عليه بعض الأمور التي يظنونها من خوارق الطبيعة.

          المشهد في بحري, بجانب قلعة قتباي أشبه ما يكون بمهرجانٍ من الألوان, مراكب الصيّادين الصغيرة الملوّنة, صفراء, زرقاء, وتركواز, مُعلّمة بأسماءٍ طريفة ومزيّنة بعباراتٍ شعبيّة مثل ” الي معاه ربنا يمشي على الميّة ” و ” يا رب يا عالم بالحال أرزقنا رزق الحلال “, في هذه المراكب التي ترسو على الشط أو التي تراقصها الموجات الصغيرة في وسط البحر, يجلس الصيادون يفكّون عُقد شباكهم ويجهزنها للرميّ في ماء, يرددون ” يا الله ” ويتمنون وفرة الرزق والصيد.

          في كورنيش القلعة, الذي يٌعتبر المتنفّس الأحب للأهالي يجول بين الأطفال بائع البلالين حاملاً البهجة, يدفع أحدهم بعربة الآيس كريم الرديء المصنوع من الثلج والألوان يكاد يكون دون نكهة, تقف عربة الترمس المنكّه بالليمون والكمون, وعربة أخرى يباع فيها اللب والفصفص والفول السوداني, ثمة أيضًا طاولة تحوّلت لمقهى في الهواء الطلق صُفت عليها كبايات الشاي والنعنع وفناجين القهوة المحضرّة أمامك على السبرتايه, الذرة المشوية على الفحم وغزل البنات.

          أسفل الكورنيش, يقع النادي البحري اليوناني, حيث كانت تقام بطولات الألعاب البحرية من تجديف وسباحةٍ وغوص, اليوم تقلّصت الأنشطة بتقلّص حجم الجالية اليونانية, ولكن لا يزال المطعم الشهير في النادي يقدّم الأطباق من البحر مباشرةً, من شبكة الصيّاد إلى قدر الطاهي إلى طاولة الزبون.

          في طريق عودتنا, مررنا بزنقة الستات, السوق الذي كانت تجوبه ريّة وسكينة بحثّا عن ضحاياهن المتشكشات بالصيغة والذهب. السوق عبارة عن ممرات ضيّقة بالكاد تكفي لعبور شخصٍ أو أثنين, يُباع فيه الملابس الحريمي ومستلزمات الخياطة والأقمشة والحُليّ, وغير بعيدٍ عنه, يقع المنزل الأشهر في مصر, منزل ريا وسكينة الذي تحوّل لمزارٍ سياحيّ يؤمّه الراغبين في الوقوف على أطلال الحكاية.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s