الإسكندرية : المدينة والأسطورة والزمن

المدينة والاسطورة

          نشأت الاسكندريّة وتكوّنت عبر الأسطورة, انبثقت من البحر عندما أتاها الإسكندر محمولاً على ظهر سفنه وأسطوله,  رحّبت به مصر, ونصّبه أهلها ابنًا للإله آمون, وأحبها, وقف على ساحلها المقابل لسواحل بلاده وبنى مدينةً تحمل اسمه أبد الدهر, وصارت الإسكندرية, المدينة الإغريقيّة على الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط, ارتفعت اعمدتها الرخامية البيضاء وتطاولت منارتها في وسط البحر وشُيّدت مكتبتها العظيمة, ولكنه حين غادرها أماته المرض بعيدًا عنها.

          خرجت من عهدة الاغريق بعد ذلك بقرون ليحتلّها الرومان, ولتسكنها أسطورةٌ أخرى, بطليموس ويوليوس وكيلوبترا والسيزر أغسطس وهيباتيا, وتواتر عليّها الفرس والبيزنطة إلى فتح عمرو بن العاص.

          جاءها قتباي وبنى قلعته على أنقاض منارتها, وجائها نابليون وخاض على أرضها المعارك وجاءتها الزلازل وجاءها الطوفان, كانت المدينة بسبعةِ أرواح, كُلما فاضت لها روح عادت للحياةِ بروحٍ أخرى وتغيّر وجهها بتغيّر المستعمر أو المهاجر أو غازي أو المحتل.

          إلى أن جاءها محمد علي باشا مثل بانيها الأول, الاسكندر الكبير عبر البحر الأبيض المتوسط ومن اليونان أيضًا, وجدها قريّةً متهالكة للصيادين وميناءً ضحل. في غضون عدّة سنين في بدايات القرن التاسع عشرّ حوّلها لرابع أكبر ميناءٍ تجاريّ في العالم, بنى فيها السفن وزرع حولها القمح والقطن ودعا إليها التجّار, بنى عليّها قصره قصر رأس التين على الطراز الرومانيّ بأفاريز عريضةٍ ونوافذ مستطيلة, على أرضٍ ممتدةٍ في البحر يحيط بها الماء من اتجاهاتٍ ثلاثة, واستقبل فيه القناصل والوكلاء والسفراء والمهندسين والرحّالة والكُتّاب, واستقدم العمّال والفنيين والحرفيين وبدأ بتشييد المدينة الجديدة بعد أن أرسى دعائم حكمه في القاهرة, ومنذ ذلك الحين, تحوّلت الإسكندرية للعاصمة الثانية, ومقر الحكم الصيّفيّ وبوابة مصر.

          في عهد حفيده الخديوي إسماعيل خُططت المدينة على غرار النقلة العمرانية التي أحدثها في بناء القاهرة الجديدة, وجعل منها أوربا الصغيرة وتدفّق عليّها المهاجرون الباحثون عن الثراء السريع من تجارة القطن والقمح والنسيج والآثار, أو افتتاح المقاهي والفنادق والمصانع والورش أو التقرّب من الأمراء.

          وبينما راحت المدينة تنمو وتزدهر, رزحت أوربا تحت ويلات الحرب, وفتحت الإسكندرية موانئها لاستقبال اللاجئين وتكوّن نسيجها الفريد من طلاينه وأرمن ويونانيين ونمساويين وفرنساوية عمّروها واستوّطنوها وتعايشوا على أرضها واختلطوا بأناسها وكانت لهم مجتمعاتهم الصغيرة بداخل المجتمع الكبير, مدارسهم ومستشفياتهم وأنشطتهم وعمداء جالياتهم وقناصلهم الذين يقومون على رعاية أمورهم , وبعد الثورة واسقاط الملكيّة والعدوان الثلاثيّ وسياسة التأميم, غادروها.

          عندما تزور الإسكندرية اليوم, ستجد أبنيتهم وأنديتهم ومقاهيهم وفنادقهم وشواهد حياتهم , دون أن تجد منهم أحد.

موعد مع الزمن : بلوغ الاسكندرية

رأيت الزمن, رأيته متلبّسًا في خلوده, حاضرًا بكثافته, كاشفًا عن وجهه بلا حُجب, يُطالعني وأطالعه, يتسرّب عبر الصدوع في واجهات الأبنيّة العتيقة, يطلّ عليّ من الشرفات الصدئة المتهالكة, يسير بجانبي على الكورنيش, يتمرّجح في المراكب, يضع رجلاً على رجل في المقاهي,  ويوصد على نفسه الأبواب الحديديّة الضخمة.

          ورأيته يتآكل, يتهاوى, ويُغطى بطبقاتٍ من الديزل وعشرات اللوحات التجارية ومصابيح النيون الملوّنة الفاقعة, ويميل بكتفه ويعرج ويشيخ ويُهمل, رأيته يتناقص, يُزاحمه الحاضر الجَشِع, يُغيّر من وسامته, يتسلّق عليّه,  يعبث بوجهه, ويشوّهه, يهدّ جزءًا منه ويبقي على جزء لذرّ التراب في الأعيّن.

          رأيت الزمن, صافحته, ربّت عليه, مسحت على وجهه, دعوّته لتناول العشاء, التقطت معه الصور, بادلته الحديث والذكريات والحكايا, نكشت حزنه ورسمت ابتسامته, عانقته وودّعته واشتقت إليه. في المدينة التي تقبض على ذاكرتها كالقابض على الجمر, في الاسكندرية, رأيت الزمن.

          بلغتها ليلاً, كعاشقٍ يتسلل تحت ستر الظلام للُقيا معشوقته, يراها دون أن يراها, يحسّ بوجودها ويتلمّسه, دون ان يستطيع تمييز ملامحها أو استقراء وجهها, كانت في خَدَر, نائمةً وقد انتصف الليل, رأسُها على كتفِ البحر الأبيض المتوسط, غافيةً منذُ أزل, منذُ بدءٍ وقِدَم, حتى إذا ما شرقت عليّها الشمس, ودبّ الناس سعيّا في مناكبها, وتمطّت واستفاقت, بانت الزرقة في عيّنيّها, وبياض بشرتها, ودِقّت رسمِ ملامحها وانكشف سبب تسميّتها بباريس الصغيرة..

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s