الإسكندرية : زيزينيا وقصر النبيلة فاطمة حيدر

إن أردت أن تفهم الاسكندرية ومزاجها وناسها وروحها, إن أردت أن تراها قبل أن تبلغها وتراها, فعليّك بزيزينيا, لا أقصد الخواجة اليوناني الذي وفد للإسكندرية في عهد محمد علي باشا فعمل في التجارة وتقلّد منصب قنصل بلجيكا وابتاع أرضًا خلاءً في حيّ الرمل بنى عليها قصرًا منيفًا فحملت المنطقة اسمه بعد أن خُططت شوارعها ومُدت لها خطوط الترام وتبعه إليها التجّار والأمراء, فاشتروا الاراضي وعمّروا الفيلات والسرايات وحوّلوها لمنطقةٍ راقية, بل أقصد مُسلسل زيزينيا المستوحى من الحياة في هذا الحيّ السكنّدري الارستقراطيّ خلال فترة الأربعينيات.

          كتبه أسامة انور عكاشة, الكاتب والروائي المصري الذي كان يقضي جزءًا كبيرًا من السنة في الاسكندرية يتنفّس هواءها ويجاور بحرها ويستلهم من العوالم التي تخلّقت على شطها شط الهوى كما تغني فيروز شخوص وأحداث اعماله مثل ” ضمير أبلة حكمت” و ” أوبرا عايدة ” وامرأة من زمن الحب” و ” الراية البيضاء “.

          في مسلسل زيزينيا, الجزء الاول منه تحديدًا ” الولي والخواجة ” , تجسّد شخصية ” بشر عامر عبد الظاهر ” كوزموبوليتية المجتمع السكندري بكل تناقضاتها, البطل بشر والذي يؤدي دوره يحيى الفخراني والده ” عامر عبد الظاهر ” تاجر مصري ينتمي لحيّ المنشيّة الشعبي ويدير وكالته  بينما والدته ” فرانشي ” أخت عميد الجالية الطليانية أحد أثرى أثرياء المدينة, بالطبع يفشل هذا الزواج بعد أن تُوّج بابن ينتمي لعالميّن مختلفيّن.

          في حيّ زيزينيا وجليم وعند الجلوس في فندق سان ستيفانو, يظهر بشر كخواجة بالبدلة والبرنيطة والكرفته واللسان الفرنجي, أما عندما يزور أهل والده في كرموز والمنشيّة فهو المصريّ الأصيل بالجلابية والطربوش, علاقات بشر متشعّبة, يحبه الصيّادين والعوالِم والمثقفين وأبناء الطبقة الارستقراطية, في المسلسل يظهر البقّال اليوناني والترزي – الخياط – الأرمني والجرسون الايطالي والطلبة القوميون والعمّال الغلابة.

          بجوار بشر, هناك شخصيّة محوريّة أخرى تمثل جانب آخر من الاسكندرية, وهي عايدة المصرية الثرية التي تحاول الاندماج في عالم الخواجات عبر ارتداء ملابسهم وارتياد حفلاتهم والحديث بلغتهم, عايده تعيش في فيلتها الراقية في منطقة زيزينيا.

          كنت قد شاهدت المسلسل مع والدتي في الطفولة. قبل زيارة الاسكندرية أعدت مشاهدته لتجديد الرابط بيني وبين المدينة, واحياء ذكرياتها في مخيّلتي, ساعدني إلى حدٍ كبير في التقرّب منها وفهمها والاستمتاع بماضيها عند زيارتها.

في قصر الأميرة

          في الصبيحة الشتوية التي زرت فيها حيّ زيزينيا تلبيّةً لدعوة ” النبيلة فاطمة حيدر ” إحدى سليلات أسرة محمد علي, كانت ملامح الحيّ خليطٌ بين الماضي والحاضر, فيلات أثرية تحوّلت لمدارسٍ وكليّات, تزاحمها بنايات اسمنتيّة حديثة, قصور مهملة, وأخرى مرممة يسكنها بعض الورثة الذين استطاعوا استعادة أملاك ذويهم أو مشترون جدد يفضّلون السكن في أحضان العراقة.

          أمام العمارات الشاهقة التي بُنيّت فوق القصور المهدّمة وخلف الأشجار المعمّرة الضخمة, تبدو ضئيلةً الأبنية الأثرية التي نجت من غول الحداثة ومعاول الهدم وجشع المستثمرين, من بينها قصر طوسون وفيلا فاطمة حيدر, وقبالتها فيلا أفيرينو التي احتضنت المجالس الأدبية للسيدة اليونانية – السكندرية المتمصّرة ألكساندرا أفرينو.

          لتلبيّة الدعوة عبر آلة الزمن, تهنّدمت وتأنقت, وتخيّرت لابني بدلةً بجكِتةٍ أنيقة وطربوشٍ أحمر حتى بدى كباشا صُغيّر, بالإضافة لفستانٍ كلاسيكيّ وتسريحة شعرٍ بشرائطٍ معقودة لابنتي. طلبت من السائق التوجه لقصر النبيلة فاطمة الزهراء, ابنة الهانم زينب فهمي, والذي تحوّل لمتحف المجوهرات الملكيّة.

          قصرٌ أبيض أنيق بجناحيّن شرقيّ وغربيّ يربط بينهما ممرٌ طويل, يطالعك على مدخله تماثيلٌ نحاسيّة لفتيانٍ بلباسٍ أوربيّ يحملون المصابيح كمشاعلٍ للإنارة, مدخل رخاميّ مرتفع عن الأرض على هيئة نصف دائرة يعلوه البلكون ويفضي للداخل.

           زينب فهمي هي ابنة علي باشا فهمي الذي عُرف بحبّه للفنون والعمارة, مما أثّر في بناته من بعده اللاتي شيّدن ثلاثة من أبدع قصور مصر, قصر عائشة فهمي في الزمالك الذي تحوّل لمجمع الفنون وقصر عزيزة فهمي المطل على كورنيش الاسكندرية وهو بصدد التحوّل لفندق فاخر بالإضافة لقصر زينب فهمي الذي بدأت ببنائه في العام 1919 بمعيّة المصمم الطليانيّ الشهير أنطونيو لاشياك وأكملت ابنتها فاطمة الزهراء بناءه في العام 1923 ليكون القصر الصيّفيّ الذي تستريح فيه من ضجيج وحر القاهرة بجانب نسمات بحر الإسكندرية.

          بعد الثورة والتأميم سُمح لها بالبقاء بالقصر إلى أن تنازلت عنه في الستينيات وتحوّل لأحد القصور الرئاسية كاستراحةٍ لرئيس الجمهورية, في الثمانيات تقرر تحويله لمتحف, بعد اغلاقه والاستغراق بترميمه لمدة عشر سنوات, عُرضت فيه المجوهرات والمقتنيات الثمينة للأسرة الملكية, ومن أهم المجموعات المعروضة في فاتريناته, مجموعة الاميرة فوزية ومجموعة الملكتين فريدة ونازلي والتحف المرصعة بالألماس الخاصة بالملك فاروق مثل الشطرنج وأكواب القهوة وكؤوس البطولات الرياضية والخناجر والقلائد والنياشين والأوسمة.

          القصر بُنيّ في الزمن الذي كان فيه الفن هو أصل العيش, والأسطورة هي الإلهام الأول للفن, لذلك, كل قاعةٍ من قاعاته كانت تحكي حكايتها الخاصة, الدخول إليه أشبه ما يكون بالدخول إلى كتابٍ مرسوم يحكي قصص ما قبل النوم.

           زيارة المتحف تكون عبر الجناح الشرقيّ, بهو الاستقبال مفروش بالباركيه وتغطي جدرانه براويز جبسيّة بداخلها لوحات مذهّبة لملائكٍ كأنما تحوم حوّلك وترحب بك, بابٌ خشبيّ بشبابيك زجاجية مربعة صغيرة, على يمينه ويساره أعمدة رخامية خضراء, يفصل بين بهو الاستقبال والقاعة التي تليه, قاعة بلونٍ سماويّ فاتح تملأ جدرانها زخرفاتٍ جبسيةٍ بارزة ولوحاتٍ تمثل حفلاً راقصًا في أحد القصور الأوربية.

          قاعة أخرى على الطراز اليونانيّ, تحكي اسطورة الأوديسا عبر رسم مشاهد سفر أوديسيوس لحرب طرواده وتودد الرجال إلى زوجته التي تعدهم بالزواج من أحدهم إذا أتمت غزل فستان الزفاف على النول, تغزل فستانها في النهار وتنقض في الليل غزلها إلى أن عاد زوجها, تم تلوين مشاهد الأسطورة على حواف الجدار بتقنيّة ألوان التمبرا اليونانية.

          في الطابق العلوي غرفات النوم, تقلّ الزخارف وتبرز الالوان الهادئة بالإضافة للرسوم الرومانسية على السقف, وتمتدّ المسرّات والحكايات إلى بيت الراحة, حيث كُسيت جدران الحمام بالبلاط الايطاليّ المرسوم بمشاهدٍ طبيعية, إوز وبجعات وجنّياتٍ سحريّة يُحَممّن الفتيات الجميلات في بحيّراتٍ تحفّها الأشجار والزهور والغيّمات.

          للانتقال بين الجناح الشرقيّ والجناح الغربيّ, لابد من عبور الكرودور – الممر – الذي يمتدت بين البنائّين حاملاً على جنباته وحدات زجاجيّة كبيرة كلٌ منها تحكي مشهدًا من مشاهد قصة حب تبتدئ بالنظرة فالسلام فالموعد فاللقاء فالزفاف, حكايةٌ من الحكايات العدّة التي شُيّد القصر عليّها, تبعث البهجة في النفس وتفصح عن مدى رهافة وشاعرية حس النبيلة فاطمة الزهراء.

          أمضيّت وقتًا طويلا في القصر, أتأمل جدرانه وأسقفه ولوحاته وتدفّق الفن من كل تفصيلةٍ صغيرةٍ من تفاصيله, في صبيحة اليوم التالي, عندما أفقت من نومي اشتقت إليه, تاقت روحي لتلمسّ جماله من جديد, ظمآنةٌ لم تكتفي ولم تُروى, قادتني لزيارته من جديد.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s