الإسكندرية : فندق سيسل، لقاء جوستن وأغاثا

          استيقظت في فندق سيسل, في الغرفة التي نزلت بها الكاتبة البريطانية أغاثا كريستي تحديدًا, عندما وصلت إلى مصر بصحبة زوجها عالم الآثار ماكس مالوان عبر ميناء الإسكندرية وكانت تصاحبه في رحلته للتنقيب عن الآثار في أسوان حيث كتبت رواية ” موت على ضفاف النيل ” من شرفتها في فندق كتراكت, ابتسمت في وجهي عبر صورتها المعلّقة على يمين السرير وتمنت لي صباحًا سعيدًا.

          مدّت الشمس اشعّتها عبر فراغات الستارة الخشبيّة التي تغطيّ البوابة الزجاجية لشرفةِ الغرفة, كنتُ في خدر, يأتيني صوت الموج في ارتطامه على الكورنيش الحجريّ أسفل الفندق, ولم يكن بي صبرٌ على مشاهدة بحر الإسكندرية, نهضت من فوري, سحبت المزلاج الحديديّ للشباك العتيق, أصدر صريرًا واصطكّت دفتاه قبل أن تنفتحا على المشهد الآسر.

          من الشرفة, بدت لي الإسكندرية المدينة الممتدة على ضفّة ساحلها, كقوسٍ منفتحٍ على البحر, يبادله العناق الأبديّ, الترحاب والوداع في اللحظة ذاتها مع كل موجةٍ تجيء وترحل. تدفّق عليّ نسيمٌ بارد, غمرني هواءٌ رطب, ووددت لو أن أحتفظ بالمنظر في عينيّ إلى الأبد, أعددت لي القهوة, استندت على سور الشرفة, وشربتها نخب اللقاء الأول .

          غادرت بعدها الغرفة, ركبت مصعد الزمن للنزول إلى بهو الرئيسيّ حيث يقابله مطعم الإفطار, كان البهو عبارة عن أرضيّة رخامية بيضاء بخطوطٍ سوداء رفيعة, درجٌ مكسوّ بسجّادةٍ حمراء يلتف حول المصعد الكهربائيّ القديم, “الاسنسير” الأنيق بكل تفاصيله , ابتداءً من المقبض المطليّ بالذهب إلى بوابته من الحديد المشغول الذي يكشف عما بداخله ولوح أزراره الذي لايزال يحمل شعار الملكيّة, الستارة التي تنفرج على التاج والنجوم الثلاثة والهلال, مثلما ابتكرت لنفسي متعة العبور تحت الأقواس في المغرب ومتعة الجلوس تحت ضوء المشربية في القاهرة,  في الإسكندرية كنت قد اتخذت لنفسي متعةً أسميّتها متعة ركوب مصعد الزمن, كلما شاهدت اسنسيرًا قديما في بناءٍ عتيق ضغطت أزراره وركبته.

          في البهو النوافذ مستطيلة وعالية, تعبُّ من ضوء الشمس بأكبر قدرٍ ممكنٍ وتفرغه في الداخل, تنسدل عليها ستائر بيضاء من الشيفون ويتبدّى من وراءها البحر, سقف مرتفعّ, تؤطره بانوهاتٍ ذهبيّة وتحفّه تماثيلٌ صغيرة كبروازٍ للجدار.

          البهو خالٍ إذ نزلت في وقتٍ مبكّر, ولكن الفراغ فيه كان مأهولاً بالذاكرة, كان ممتلأً بالنساء أنيقات الملبس حسنات الهندام مهذّبات اللسان, يتبادلن التحايا بمفرداتٍ فرنساوية, يتصافحن بأطراف الأصابع, ويشربن الشاي بأناقة, من بيّنهن, كانت ” جوستن ” المرأة التي ألهمت الروائي البريطاني لورانس داريل في كتابة روايته الخالدة رباعية الإسكندرية, حيث التقاها هنا وأحبها.

          زمان، كان بهو فندق سيسل من الأماكن المحببة لالتقاء الأصدقاء وقضاء الأوقات الجميلة. في الأمسيات الصاخبة, كانت عربات الخيول التي تحمل البهوات إلى احتفالاته تملأ الساحة أمام مدّخله ذو البوابة الأنيقة.

          في البطاقات البريديّة التي تصوّر الإسكندرية, لابد وأن يظهر الفندق ببنائه الأبيض الأنيق ذو الطراز الايطاليّ المطعّم بالشرفات المشرقيّة, والذي اقتتح في العام 1929 بواسطة ثريٍّ ألمانيّ, يشرف على البحر ومن أمامه ميدان سعد زغلول, الميدان الذي هو بمثابة السرّة التي تلّتف حولها وسط البلد ويبتدئ منها, ينتصب فيها تمثال زعيم الأمة ” سعد زغلول ” شاهدًا على ثورة 1919.

          عندما تقف في وسط الميدان موليّا ظهرك للبحر, سيكون سيسل عن يمينك, تليه عمارةٌ بطرازٍ فينيسيّ, ومن ثم الغرفة التجارية ذات الطراز اليونانيّ, في الزاوية, حلواني ديليس يليها محلات عمر أفندي ومن ثم مقهى ترانون الذي يعلوه فندق لو موتروبول, على يسارك ستكون السفارة الإيطالية بمبناها المهيب, ومن خلفها مقهى أتينوس وعمارة ميرامار.                             

          ما إن اجتزت الباب الخشبيّ الدوار، ووضعت قدمي خارج بوابة الفندق, حتى وجدّتتي محاطة بجزء كبير من الاماكن التي كنت قد دوّنتها في جدول السفر لذاكرة الاسكندرية.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s