الإسكندرية : حلواني، شاعر ورسّام

          كانون الأول / ديسمبر, الشهر الذي يجيء كصبيّةٍ تُلقي على كتفها بشالٍ أحمر, فيه تتأنّق المُدن بزينةِ الميلاد, تتوشح طرقاتها بالأضواء البهيجة وتنتشر الأشجار المزيّنة بالأجراس والكرات والمجسّمات الحمراء الصغيرة.

          بما أنني من الذين يفضلون السفر شتاءً للهرب من زحام الصيف, زرت عدة مدنٍ وقت تحوّلت لمشهدٍ من مشاهد فيلم ” ترنيمة عيد الميلاد ” أو ” نساء صغيرات “. في إسطنبول ولندن وبيروت كانت الزينة مبهرة, احترافية وباذخة ومُبتكرة, أما في الإسكندرية, كانت دافِئة, بسيطة وقديمة وحنونة.

زينة الميلاد في مقهى ديليس

          نزلت لشرب القهوة في مقهى ديليس, في نافذته المطلّة على ميدان سعد زغلول عُلّقت الجوارب الصوفية الحمراء الكبيرة من تلك التي يملؤها سانتاكلوز بالهدايا, شرائطٌ معقودة, وزينة لامعة قديمة بألوانٍ فاقعة لُفّت حول أحواض أشجار الزينة, في الداخل, قطع من قماش التول بلونٍ أحمر مُدلاة بين أعمدة المقهى وأطواقُ معلّقة عليها مصنوعة من زينةٍ خضراء برّاقة, بالرغم من أن المقهى قد تم افتتاحه في عام 1922 على يد الحلواني اليوناني كلوفلوكس موستاكاس إلا أنه بدى حين دخلته في تلك الصبيحة بسبب تجديده وطريقة تزيينه ” الدأه الأديمة ” وكأنه قطعة من السبعينيات.

          أطلق عليه موستاكاس اسم ” ديليس ” أي البهجة والفرح باللغة الفرنسية, لأنه كان يعدّ فيه حلويات الأفراح والأعياد والمناسبات السعيدة, مثل ملبس المولد, شوكولاتة عيد الفصح وحلوى الفينيكيا اليونانية التي تقدّم في رأس السنة, أما أهم أعد فيه فهو كعكة تتويج الملك فاروق على العرش, وكعكة زواجه من الملكة فريدة, الكعكة التي يحتفظ بصورتها على جدرانه, ذات الطوابق الخمس والتي يعلوها تاجٌ مصنوع من الشوكولاة , تلك الكعكة أدخلته إلى مصاف الحلوانيين العالميين بعدما انتشرت صورتها في كبريات الصحف.

          طلبت فنجانًا من القهوة وقطعة بقلاوة مُعدّة على الطريقة اليونانية, ثم تجوّلت في المكان لاطلاع على ذكرياته.

          مقهى ديليس يُعد المقهى الوحيد الذي لا يزال يُدار من قبل ملاكه الأصليين في الإسكندرية, تديره السيدة أليكي موستاكس من الجيل الثالث من اليونانيين السكندريين, ورثت المقهى عن زوجها الذي ورثه من أبيه. امتانًا لتاريخه العتيق, قامت بعرض آلاته وأدواته القديمة, أدوات صنع الحلوى وقوالب الملبّس وجهاز الكاشير والهاتف, بالإضافة لصور بالأبيض والأسود من الثلاثينيات والأربعينيات لطاقم الجرسونات والحلوانيين ببزة العمل والطهاة في مطبخ المقهى.

          بعدما دخلته من البوابة الأمامية, غادرته من الباب الخلفي, عبرت من أمام مطحنة ومقهى البن الرازيليّ حيث يتملأ الطريق برائحة البن المحمّص لتوّه ومشيت باتجاه شارع النبي دانيال, كان باعة الكتب القديمة والمستعملة يتبادلون تحايا الصباح فيما بينهم وهم يهمّون برفع الستائر المعدنيّة عن أكشاكهم ويبدؤون بصفّ الكتب والمجلات على واجهات الأرفف الخشبية, أغلب الأكشاك لم تُفتح بعد, تبضّعت من الذين كانوا قد أبكروا في سعيّهم للرزق ومضيت باتجاه منزل الشاعر اليوناني الاسكندري قسطنطين كفافيس.

منزل الشاعر اليوناني/ الاسكندراني : قسطنطين كفافيس

          ” في هذا المنزل عاش الشاعر كفافيس آخر خمسة وعشرين سنة من حياته “, على مدخل العمارة القديمة وبجانب الباب الحديدي الصدئ في حارةٍ صغيرةٍ متفرّعة من شارع النبي دانيال وضع لوحٌ حجريّ محفور بتلك العبارة باللغتيّن العربية واليونانية.

          قسطنطين وهو الابن الأخير في أسرة مكّونة من تسعة أبناء لم ينعم طويلا بالرخاء الذي نعمت فيه الأسرة في ظل الخديوي إسماعيل وعمل الأب بالتجارة, بدد والده أمواله بالبذخ, وترك من وراءه زوجته والابناء, اضطرت الزوجة أن تغادر إلى إنجلترا, عادت بأبنائها الصغار بعد ذلك إلى الإسكندرية ولما لم تستطع مواجهة الحياة بمفردها ذهبت إلى أسرتها الثرية في تركيا, ولكن قسطنطين بعدما تقلّب في البلدان, عاد إلى مسقط رأسه ومهوى فؤاده, استأجر هذه الشقّة في شارعٍ غير مزدحم وعمل بوزارة الريّ كمترجم بالإضافة لعمله كسمسارٍ للقطن, وكتب بعدما عاد للإسكندرية أغلب أشعاره في هذه الشقة أو على طاولات المقاهي.

          كفافي الذي كان يفضّل حياة العزلة على الشهرة, لم يكن ينشر أشعاره على نطاقٍ واسع, بل اكتفى بطبعاتٍ قليلة توزّع على الأصدقاء والمقربين, بعد وفاته في العام 1933 تكفّل صديقه الكسندر سينوبولوس بنشر كتاباته وتعريف النخب المثقّفة عليه. بالرغم من أنه لم يكتب قصيدة واحدة باللغة العربية, إلا أن كفافي يُصنّف كشاعرٍ اسكندريّ.

          وكما أوصى, انتقلت معظم متعلقاته إلى اليونان وتم بيعها هناك, تحوّل منزله إلى بنسيون متواضع حتى عثرت عليّه الجمعية الثقافية اليونانية وقامت بشرائه وتحويله لمتحف, جمعت الجمعية ما ستطاعت من التعلقات الأصليّة للشاعر, أما بقيّة أثاث المتحف فهو عبارة عن مُحاكاة للحياة في ذلك الزمن, وأهم ما استطاعت استعادته هو قناع الدفن والمكتب الذي كان يدوّن عليه كتاباته بالإضافة لبعض صوره والطبعات الأولى لدواوينه.

     منزل الرسام محمود سعيد     

أما الرسّام والذي زرته بعد أن ودّعت كفافي, فهو أحد مؤسسي الفن التشكيلي المصري الحديث, الفنان ” محمود سعيد ” والذي نذر فيلته الأنيقة لوزارة الثقافة حتى تصبح متحفًا لإرثه ولوحاته, ينتمي محمود إلى أسرة عريقة ناسبت الملك فاروق, حيث تكون الملكة فريدة ابنة أخته زينب هانم.

          في الفيلا التي أفرغت من أغلب أثاثها, لا يزال طقم الاستقبال الأرابيسك موجودًا في مدخلها, بالإضافة لغرفة المرسم وأدوات الرسم والفرشاة والألوان, أما الحجرات فتوزّعت فيها لوحاته بحسب موضوعاتها, البورتريهات العائلية, مجموعة نساء بحري, الحياة الشعبيّة والجدارية الضخمة لحفل افتتاح قناة السويس.

مدخل فيلا محمود سعيد

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s