رمان وفنان : نهر الأردن ومتاجر أخرى

اللقاء الأول بشجرة الرمان

لم ألحظها, دخلت للمتجر مرّتيّن وخرجت منه ولم أنتبه لوجودها الراسخ في حديقته, حين زرته للمرة الثالثة برفقة طفلتي, رَكَضَت باتجاه الشجرة, ركضت مشدودةً للثمر الأحمر المتدلي من أغصانها وصاحت : ماما, رُمان, شوفي الرُمان..

كانت لحظةٌ تشبه اللحظات التي تنبثق فيها الموسيقى في فيلمٍ رومانسيّ لالتقاء حبيبيّن للمرة الأولى, تلك اللحظة التي تمر بطيئة, يكاد يتوقف فيها الزمن بُرهة.

اقتربت, بسطت يدي لأمسها, لمست شجرة الرمان في هيئتها الحقيقية, في وجودها البكر في حضن أمها الشجرة, شجرة الرمان التي كانت أمام متجر ” مؤسسة النهر الأردن ” حيث يمتلئ المتجر بالقطع الفنيّة المستوحاة من رسمها المستدير وكيانها المكتنز, حين مد الفنان يده إليها ليقطفها وقد اتمّت تخلّقها من ثغر الجلنار, قدّمها كتحفٍ فنيّة حبلى بالدلالات والرموز, ثمرة الرمان بكل تجلياتها في الثقافة المشرقية, ترمز للوفرة والتكاثر والخصب.

متجر مؤسسة نهر الأردن, وهو آتيزانيا متخصص بالمشغولات اليدوية الفنيّة من ملابسٍ وأوانٍ ولوحاتٍ ومطرّزات, يستوحي من الحكاية الشعبيّة مصدر إلهامه لتصميم قطع الأثاث وأدوات الحياة اليومية, زرته في مواسم مختلفة, وفي كل موسم كان يعرض مجموعة جديدة تحمل فكرةً مختلفة, يسلّط الضوء على التراث عبر الإبداع, يطرّز الوسائد بالأهازيج الشعبيّة أو يعيد تدوير قطع القماش بتمثيل مشهد القوافل الصحراوية أو بائع عرق السوس, صادفت زياراتي له مرة مجموعة الدحنون -زهرة شقائق النعمان- ومرة مجموعة الثوب الفلاحيّ ومرّة مجموعة المدينة القديمة, وفي كل مجموعة فنيّة يطرحها المتجر يتبعها بكتيّبٍ تعريفي بالرموز والأفكار التي تسكن القطع, يبعها مقابل توجيه الربح لدعم المشاريع الخيّرية, ويجسّد فكرة كون الفن رافدٌ من روافد الحياة, ينهل منها ويصب فيها.

ليس متجر نهر الأردن وحده هو الذي أقصده للتبضّع من أجل منزلي, تشهد عمّان نقلة كبيرة في مجال الآرتيزانيا على غرار بيروت ودمشق, تكاثرت ورش الصناعات الجميلة, وبدت واضحة اللمسة الشبابيّة على التصاميم والأفكار والقطع المبتكرة, خصوصًا في مصانع الخزف القديمة بدت واضحة الروح الجديدة التي تبثها يد الشباب في الطين اللازب أثناء تشكيله, رأيت ولعهم بأحرف اللغة, بالخط والفسيّفساء ورسومهم المختلفة عما كان يرسمه أسلافهم, ابتكروا اضافاتٍ وألوان لم توجد من قبل في المهنة التي تركها لهم أجدادهم, وسايروا السوق الذي يطلب الجديد في كل موسم.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s