مدينة سينا : تجوال في العصور الوسطى

          قيادة السيارة بين بلدات اقليم توسكاني أشبه ما تكون بفتح قصة أطفالٍ مصوّرة والولوج إلى عالمها. المنظر الذي كان يتكرر عن يميننا وشمالنا على طول الطريق هو المزارع العتيقة بحجارتها الرمادية وقرميدها البرتقالي, مداخلها المعبّدة بالرمل والحصى محفوفةٌ بأشجار السروّ المدبب, تصطف في طابورٍ طويل كأنها تؤدي استعراضً عسكريًا منذ الأزل, تفضي إلى مداخل المزارع التي تبدو كعوالمٍ مليئة بالأسرار والغموض.

          حزمنا أمتعتنا وغادرنا مزرعتنا باكرًا, خططنا لقضاء نهارٍ بأكمله في التجوّل بين بلدات اقليم توسكاني المتقاربة والنزول في مزارعها المتناثرة على الطريق والتي ترفع لافتاتٍ تدعوا العابرين للإطلاع على عمارتها وتذوّق منتجاتها وقضاء الوقت البهيج فيها, سواء كانت مزارع عنب أو زيتون أو ماشية لإنتاج الجبن والحليب.

          ومن حسن حظي أن ذلك اليوم ذو الجو العليل والشمس المتوارية خلف غيّماتٍ شفيفة كان الأحد الأول من الشهر, حيث تتحوّل طرقات مدينة أريزو التي تبعد ساعةً عن مزرعتنا إلى نهرٍ من البضائع الأنتيك ويقام فيها السوق الأكبر في إيطاليا لعرض التحف والمقتنيات والأثاث العتيق على امتداد شوارعها وساحاتها, ولكن, سوء الحظ غلب حسنه, إذ تحوّلت الغيمات الأليفة إلى سُحبٍ ركاميّةٍ زمجرّت وأرعدت وأمطرت على الطرقات الجبلية التي كنا نستمتع قبل قليل في القيادة بين ارجائها, دفعنا ذلك لإلغاء خط سير الرحلة والتوجه مباشرةً إلى الوجهة الأخيرة والتي سنقضي ليلتنا بها وهي مدينة سيينا.

          من بين الجبال الخضراء والتلال التي يربو بعضها فوق بعض, تبدّى لنا من بعيد سور المدينة وهو يحيط بها على قمة الجبل, سورٌ حجريّ ضخم يزيدها مناعةً وتحصينًا, بدى كقطعةٍ حجرية تجمد فيها الزمن عند العصور الوسطى دون يمرّ عليها أو يغيّر ملامحها, بداخله, شيّدت الأبنية المتراصة, يسند بعضها بعضًا, لولا الأرقام المدوّنة على الأبواب لما تميّز بناءٌ عن آخر.

          كانت شقتنا في الطابق الرابع من البيت الذي لا تتجاوز مساحته المئتيّ مترٍ مربع, بواجهةٍ صغيرة, يؤجرها الشاب الذي يسكن الطابق الثالث من المبنى نفسه, صعدنا الدرج الضيّق بشق الأنفس, بدى كدرج قلعةٍ رومانية من تلك التي نشاهدها في الأفلام التاريخية, من الشرفة الصغيرة في الأعلى, يمكن رؤية أسطح المباني المقابلة, والأزقّة الضيقة التي تهبط وتعلو بين المحال الفنيّة ودكاكين اللحم والسمك المجفف والمطاعم المحليّة, قضيّنا فيها النصف المتبقي من النهار, كانت السماء قد أفرغت غضبها وعادت لمزاجها الرائق الذي كانت عليه في الصباح

          عندما دلفت إلى طرقاتها, وجدت نفسي محاطة بغابةٍ من الطوب الحجري بألوانٍ تتراوح درجاتها بين البنيّ, الأحمر والبرتقاليّ, بدت وكأنها منحوتةٌ في الجبل لا مبنيّةٍ من حجارته, المبنى الوحيد الذي شذّ عن سياقها وألوانها هو الكاتدرائية بطوبها الأبيض وتماثيلها وأعمدتها والخطوط السوداء العرضية التي تتخللها, وككل الكاتدرائيات الضخمة في المدن الإيطالية كانت مذهلة من الداخل, تحمل أعمدتها الشاهقة السقف المرسوم بالحكايا والأساطير الانجيليّة, أُسبغ عليها الفن بكثافة تقرّبًا لله, تسكنها التماثيل الرخامية تجسّد الرهبان والشخوص الدينيّة, ترتجف فيها الشموع وتُردد التراتيل بخشوع.

كاتدرائية سيينا

وابرز ما تشتهر به هو سباق ” بايلو دي سيينا ” والذي يعقد كل عام في الثاني من يوليو على ظهور الخيل التي تجوب المدينة ما إن تُرفع الرايات، لذلك، أغلب التذكرات التي تهديها المدينة للسائحين تمثل هذا السباق برسمه على الأطباق أو تقديم حذوات الخيل كميداليات وقطعةٍ صغيرة ممغنطة.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s