منتخبات بهنا فيلم : ذاكرة سيما مصر

اللافتة عند المدخل

          لو أنني زرت الإسكندرية في الأربعينيات, أي قبل أن تولد والدتي بعشرين سنة, لكان الصرح الأبيض عن يساري متوّجًا بتمثال الخديوي إسماعيل الذي قدّمته الجالية الإيطالية في الإسكندرية كهديةِ امتنانٍ وحُب للمدينة. جُمعت التبرعات وحُملت إلى إيطاليا لصبّ التمثال من البرونز ونصبه في الميدان, ولكن بما أنني زرتها بعد أن أزيح نصف تاريخها, كان التمثال قد أزيل من مكانه بعد الثورة, وحوّلت قاعدته المشرفة على البحر بأعمدتها وقوسها الرخاميّ الأبيض إلى نصب الجندي المجهول.

          عبرت بجانب النصب في طريقي لوكالة مونفراتو, العمارة القديمة في ميدان المنشية, عندما كانت المنطقة مزدحمة بالوكالات التجارية التي تؤدي الدور الذي تقوم به في وقتنا الحالي المجمعات, في الطابق الأرضي محلاتٌ ومتاجر, وفي الأدوار العليا مكاتبٌ للإدارة.

          صُممت الوكالة / العمارة المطلة على ميدان محمد علي في المنشية على الطراز الإيطالي كبقية الميدان الذي صممه فرانسيسكو مانشيني واشتق اسم المنطقة من اسمه الأخير, قصدّتها لتحسس الزمن الذي مرّ عليها, كان منذ الخطوة الأولى بداخلها واضحًا في الأفاريز التي كانت بيضاء في ما مضى وأصبحت بلونٍ رماديٍّ متسخ, تزاحم زخارفها الجبسيّة الأنيقة قطع الطوب الحمراء البشعة وتغطيها لافتات تجارية بألوانٍ صارخة, تمر من أمامها أسلاك الكهرباء ويتدلى مصباحٌ بضوءٍ أزرق مزعج أضيف حديثّا, كان الحاضر يشوّه الماضي وذوقه الرفيع في وجهها المهمل.

          صعدت عبر الدرج الذي فقد أجزاءً من الدرابزين الحديديّ وتقشّع الطلاء عن جدرانه, حتى بلغت البوابة الخشبية للشقة التي تُدار منها شركة ” منتخبات بهنا فيلم ” لأصحابها الأخويّن بهنا اللذين وفدا من حلب إلى الإسكندرية في نهاية العشرينيات وعملا في تجارة التبغ التي حققت لهما مكاسب كبيرة, ومن بعد أن شهدت الإسكندرية ثاني عرض سينمائي في العالم وازدهرت صناعة السينما فيها ومعاهد تدريسها قررا العمل في انتاج وتوزيع الأفلام السينمائية عبر تأسيس هذه الشركة.

          على مدى ثلاثين عامًا كانت الشركة هي جسر الوصل بين السينما المصرية والمدائن العربية, تتولى توزيع الأفلام ونشرها, افتتحت مكاتبًا في أقطارٍ عدة وحققت نجاحًا كبيرا إلى أن تم تأميمها في الستينيات ونزع ملكيّتها, فخبت وانتهى عصرها الذهبيّ.

          مرت عقودٌ من الزمن, ولكن الوريث ” بازيل بهنا ” كان يحمل في داخله بذور عشق السينما بسبب طفولته التي قضاها في هذه الصنعة مع عائلته, استطاع أن يكسب القضية التي رفعها لاستعادة الشركة, واستعاد معها تاريخ السينما المصرية.

          عندما طرقت البوابة الخشبيّة وفتحها لي أحد الشباب القائمين على مبادرة ” جدران ” التي تدير المكان وتطمح لاسترداد تراث المدينة المهدور, وجدت نفسي محاطة بذاكرة السينما الأحب إلى قلبي، ذاكرة شادية وفاتن وماجدة وأسمهان وعبد الحليم ، الصور الأصلية لكواليس الأفلام, أفيشات, أسطوانات, أغلفة أنيقة , دوسيهات يعلوها الغبار بداخلها الفواتير والعقود والمراسلات المصّفرة بفعل الزمن,والبكرات الأصلية للأفلام المستخدمة في آلة العرض السينمائي القديمة.

          رُمم المكان بحذر, بما لا يمسّ هويته أو تاريخه, تُركت تشققات جدرانه على ما هي عليّه وحوّلت إحدى حجراته لصالة عرضٍ سينمائي, تحول لمحضنٍ للشباب السكندريّ المحب للثقافة وفن السينما, ومستودعٍ لذكرى أحد أهم الأعمدة الثقافية في مصر, السينما.

          وبينما كانت الشقة العتيقة في وكالة مونفراتو تغوص في زمنها وتستكين في هدوء ذاكرتها, كانت المنشية من تحتها قد تغيّرت كثيرًا, كانت تموج بصيّحات الباعة الجائلين والبضائع المفروشة على الرصيف وضجيج محركات السيّارات المتهالكة وزمّار المتأفئفين من الزحام وصراخ الأطفال, وضربات حوافر الخيل على الرصيف, يا له من مكانٍ يسير فيه زمانان متوازيان, يسكنه عالمان ولا يبغي أحدهما على الآخر.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s