القاهرة : الست والبرنس، قصر محمد علي ومتحف أم كلثوم

          رغبت في أن أقتفي أثر أم كلثوم عندما غادرت كرمة ابن هانئ إلى فيلتها الشيك أوي في الزمالك, ولكن الزمن لم ينتظرني هذه المرة, سبقني الورثة وقاموا ببيّعها لمستثمرٍ هدّها وعمّر مكانها برجًا سكنيّا, بعد سنوات, عندما أدرك فداحة ما اقترفه افتتح فيه فندقًا وأسماه فندق أم كلثوم علّه يخفف من وطأة خطيئته, الحكومة التي اكتشفت أيّضا تقصيرها بمنع بيع الفيلا وهدمها, حاولت التكفير عن ذلك بوضع تمثالاً للستّ أمام شبح فيلتها, وشكلّت لجنة لجمع متعلقاتها الشخصية من ثياب وصور ونياشين وقلائد وأوسمة وأدواتٍ فنيّة, جمعت اللجنة ما استطاعت من أقربائها ومحبيها وقامت بافتتاح متحف أم كلثوم في احدى قاعات قصر المانسترلي بمنطقة الروضة قرب المنيّل نسبةً إلى مقياس النيل.

          ذهبت للمتحف, وكم كان من المهيب أن تقف أمام الأجزاء التي كوّنت الهرم المصريّ الرابع, كانت اطلالتها مكتملةً في المُتحف, فستانها الطويل الساتر المشكوك باللؤلؤ بأكمله, حذاؤها الجلديَ الأنيق يحمل علامة قوتشي الايطالية, نظارتها السوّداء المرصّعة بالكريستال, بروشها الماسيّ الشهير على شكل هلال ومنديلها الذي تمسك به في وصلاتها الطويلة لتجفف العرق من راحة يديها, كانت هناك أوراقها الثبوتية أيضًا والأبيات التي غنتها كما خُطت بأيدي الشعراء والنوتات الموسيقية المكتوبة.

          شاهدت الفيلم المصور الذي يحكي سيرة حياتها, ابتعت كروتًا بريديّة كما أفعل دوما في كل متحف وبعض الكتيبات عن مشوارها وحكايات أغنياتها, فور خروجي تبعني رجلٌ بدا من العاملين في المكان: ” تفضلي يا ستي, تعالي شوفي قصر محمد علي, دا تحفة ” شكرته وتملصّت منه فألح ” تعالي أهو جنبنا على طول مش هتركبي العربية خطوتين بس “ اعتذرت مرة أخرى وشرحت له بأنني على عجلة, ” هتندمي “ وندمت بالفعل! بعد عودتي للكويت وفي احدى جوّلات البحث عن المتاحف والقصور في مصر, عثرت على تقرير وصور عن قصر محمد علي الذي فوّت على نفسي فرصة دخوله, في زيارتي التالية للقاهرة بعد عامٍ من تلك الزيارة, وضعته على رأس الأهداف المنشودة.

قصر محمد علي

          ليس محمد علي باشا الكبير هو صاحب القصر, بل أحد أحفاده, محمد علي توفيق, ابن الخديوي توفيق وشقيق الخديوي عباس حلمي الثاني, كان مُسافرًا مولعًا بفنون المدائن التي يزورها, بدأ حياته كأقرانه, درس الآداب والعلوم في المدرسة العليا بقصر عابدين ومن ثم تلقى الفنون العسكرية وآداب النبلاء في مدارس سويسرا والنمسا, ولكنه حين عاد لمصر توقّد ولعه القديم بفنون الشرق, فراح يشد رحاله إلى مدائنه, سوريا وإسطنبول والمغرب ولبنان, يكتب ملاحظاته ويدوّن أسفاره ورحلاته, يحمل معه ما فُتن به من عمارٍ وبناء, ويحلم ببناء قصره.

          بُنيّ القصر على مدى عشرين عامًا من الزخرفة وجمع التحف والتخطيط وتصنيع النجف ونجارة الأثاث والسفر والبحث عن الإلهام. على عكس الأمراء الذين شيّدوا قصورهم وفقًا للطُرز الأوربيّة, اختار البرنس محمد علي أن يبني قصره بمزيجٍ من أنماط العمارةِ الاسلامية, وعهد بالمهمة للمعماري محمد عفيفي الذي وضع بصحبته أسس البناء ومخططاته وفقًا لما رآه من قصورٍ اسلامية في إسطنبول ودمشق.

           ولجنا عبر بوابةٍ صغيرة نسبيّا بالنسبة لحجم السور, السور الملتفّ حول القصر وحديقته والمبنيّ كأسوار القلاع القوطية المهيبة, على يمين البوابة سراي الاستقبال, بقاعات التشريفات البديعة, القاعة الدمشقية ذات الزجاج المعشّق بالألوان والتي حمل تكسياتها الخشبية من قصر العظم في دمشق, والقاعة المغربية ذات السقف المكسو بالزخرفات الهندسية وحجرة المشربيّة الساترة للنساء وقاعة استقبال كبار المصلين حيث يستضيفهم الأمير في مسجد القصر لإقامة صلاة الجمعة وصلوات الأعياد.

          بعده سراي الإقامة, حيث يقيم الأمير وزوجته, في مدخله بهوّ النافورة الرخامية, البهو الذي جمع فيه بين الأقواس الأندلسية وبلاطات القيشاني التركية التي ابتكر زخرفاتها بنفسه, واستخدم لإنارتها المشكاة الزجاجية المموّهة بالمينا المُستخدمة في المساجد المملوكية, أما درابزين الدرج الذي يصل للطابق العلوي وحجرات النوم فقد استخدم به الخشب المزخرف بالتفريغ, وغطاها بسقفٍ من المقرنصات المحفورة بأشكالٍ هندسية.

          في سراي الإقامة غرفة الطعام التي تحتفظ بأثاثها الأصليّ منذ عهد الأمير, وينفذ إليها الضوء عبر المشربية الضخمة, غرفة المكتب حيث كتب رحلاته وأسفاره, وغرفة الشكّمة المصممة كعلبة مجوهراتٍ نفسية.

          أما السراي الأخير, السلاملك, فكان لاستضافة كبار الضيوف وعقد المجالس, لو بدأنا بوصفه من طابقه العلويّ فثمة ثلاث حجرات, حجرة الأبيسون وهي الغرفة الوحيدة في القصر المصممة على الطراز الفرنسي حيث كانت مخصصة لوالد زوجته ” إلهامي باشا “, كُسيت جدرانها بالقماش الفرنسي وأسدلت فيها الستائر الفخمة وزيّنت بالتحف الضخمة المذهّبة, ما يثير الاستغراب فيها, لونها الفريد, حيث كانت باللون الأسود الذي يندر أن يستخدم في هذا الطراز.

          بجانبها الغرفة الشتوية والغرفة الصيّفيّة, كانت الغرفة الشتوية مكسوّة بالخشب لتحفظ الدفء في الليالي الباردة, والغرفة الصيّفيّة تقابل النيل الذي يبعث لها بالنسائم العليلة خلال الصيف وتمت تغطيتها ببلاطات القيشاني التي تحفظ البرودة .

          أما الحكاية المؤلمة التي تسكن بين كل هذا الجمال, فكانت قاعة العرش في الطابق السفليّ, التي أنشأها وأعدّها في انتظار دوره في الجلوس على عرش مصر, دون أن يتأتّى له ذلك, على مدار حياته أصبح الأمير وليّا للعهد لثلاث مرات, ولكن في كل مرّة كان يولد الوريث ويحرمه من التتويج.

          في قاعة العرش الكراسي الذهبية الضخمة المنجّدة بالقطيفة الحمراء القانية والمطرّزة باسمه بواسطة خيوط الذهب, على جدرانها علّق صور حكّام الذي سبقوه من محمد علي باشا الكبير إلى أخيه الخديوي عباس حلمي, وتجاهل الذين جاؤوا من بعده حسين كامل والملك فؤاد ونجله فاروق, لأنه كان يراهم العقبة التي حالت دون تحقيق حلمه, على سقف القاعة, وُضع قرص الشمس الذهبيّ الذي يرمز لحكم الأسرة العلوية.

          تحيط بالسرايات الثلاث جنّةٌ غنّاء, أنشأها بعد أن أتم بناء قصره, أخذ معه البستانيين والمزراعين الأكفاء وطاف المدائن بحثّا عن نوادر النباتات والأشجار والنخيل, علّمهم طرائق العناية بها وحمل شتلاتهم معه على متن المراكب وعاد لغرسها في حديقته, نخيلٌ ملوكيّ وتينٌ هنديّ وصبّارٌ وجوّافة.

          في الحديقة, يتنصب برج الساعة المبنيّ على طراز القصبات في المغرب, مثل قصبة حسان وقصبة مسجد الكتيبة, بجانب برج الساعة المسجد الذي يختلط به الطراز العثمانيّ بالأندلسيّ, يتميّز بسقف ومحرابه وجدرانه وكرسي المُقرئ الذي كانت الخُطب تلقى من فوقه.

          القصر عبارة عن ترجمة لأسلوب حياة الأمير الذي هامت روحه بين المدن والفنون والآداب وتجسّدت في العمارة والبناء, قبل وفاته, أوقفّه للدوّلة وأوصى أن تفتح أبوابه للناس كافة, فالجمال ملكٌ للجميع لا يجب أن يُحجب عن أحد.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s