القاهرة القديمة أوي أوي!

البحث عن الزمن الجميل

” عايزنا نرجع زي زمان

قول للزمان إرجع يا زمان “

*أغنية لأم كلثوم

          في زيارتي الأولى للقاهرة, زرتها مدفوعةً بالرغبة في العثور على الزمن الجميل, الزمن الذي رأيته عبر الصور التي تعود لبدايات القرن العشرين حيث صنفت القاهرة كأجمل عاصمة في العالم, الصور التي يظهر فيها الناس في المقاهي بكامل شياكتهم وكأنهم في حضرة الملك, الصور العائلية للاعراس وحفلات تخرج الطالبات وطاقم التمريض النبيل في المستشفيات, الزمن الذي رأيته على الشاشات الصغيرة بالأبيض والأسود, الزمن الأنيق, البنايات الأوربية في الشوارع الواسعة النظيفة, الأوتومبيلات الفاخرة, الرجال الجنتل مان بالبدلات الإيطالية والبنات الصغيرات وقد ظفرن شعورهن بالشرائط المعقودة, والنساء المهذّبات بالفساتين الفرنسية المنفوشة القصيرة وتسريحاتٍ مرفوعةٍ للأعلى, مثل الفنانات الجميلات في أفلامي المفضّلة, الفنانات اللاتي لم تستطع في زمننا هذا مشارط أطباء التجميل الإتيان بأجمل منهن.

          ولكن, ذلك كله كان ” صرحاً من خيالٍ فهوى ” عندما سألني سائق سيارة الأجرة في المطار عن عنوان الفندق الذي أسكن فيه, كان من المتوقع كوني سائحة خليجية أن أطلب منه التوجه للشيراتون أو ماريوت الجزيرة أو السوفتيل, صُدم عندما قلت له ” فندق لورياض, شارع المعز ” 

– شارع المعز لدين الله؟ القاهرة الأديمة؟ هو انتي متأكدة حضرتك؟ أصل مسمعتش ولا مرة أن في أوتيل بالمنطئة دي, أصل الحتة هناك شعبية وزحمة أوي.

لم أفهم سبب قلقه ومبعث تخوّفه, أكدّت له بأن العنوان صحيح وأن الفندق حديث ويحمل تصنيف خمس نجوم, فقال توكلنا على الله.

          كان الوقت نهارًا لحسن الحظ, أحب أن أبلغ وجهتي في النهار, أن أستقرئ وجهها وأتملّى به دون أن يحجبه عني الليل, ألصقت وجهي بزجاج النافذة, كمن بلغ حُلماً دون أن يصدق بأنه قد بلغه رحت أعبّئ عيني من القاهرة.

          ووصلنا ” القاهرة الأديمة ” الأديمة أوي أوي أوي, أكثر مما كنت أتصوّر, عبرنا سورها الذي تكتظ بين جنباته, عبرنا باب زويلة ما بين البرجين, الباب الذي يفصل بين مكانين وزمنين وعالمين, جئت بحثّا عن زمن شادية وعبدالوهاب فوجدت نفسي في زمن شجرة الدرّ وحسن ابن قلاوون و الأمير بشتاك والظاهر بيبرس , هذا ما كانت تدل عليّه العمارة الفاطميّة والمملوكية والعثمانية التي تختلط في المساجد والمدارس والبيوت والأسبلة, أما الشبابيك والناس والزحام والمحال والروائح والمشاهد, فقد أخذتني لروايات نجيب محفوظ لزمن حميدة في زقاق المدق و رضوان في السكريّة ونوال في خان الخليلي.

الحياة في لوحة

” رأيت حاضرة الدنيا وبستان العالم, ومحشر الأمم, ومدرج الذر من البشر ,وإيوان الإسلام وكرسي الملك,تلوح القصور والأواوين في وجوه, وتزهر الخوانق والمدارس في آفاقه وتضيء البدور والكواكب من عليائه .. ومررت في سكك المدينة تغص بزحام المارة وأسواقها تزخر بالنعم .. ومن لم يرها لم يعرف عز الإسلام “

* ابن خلدون 1382 هـ

          ما إن نزلت حتى تلقفني زمنٌ آخر, سقطت على القماش المشدود كقطرةٍ من لونٍ أرجوانيٍّ مشبع في إحدى لوحات رودلف أرنست أو ليون جروم, إذن, أنا هنا, لا أسير على الأرض الحجرية المرصوفة, بل على سطح لوحةٍ رُسمت في بدايات القرن التاسع عشر بريشةٍ فنانٍ مستشرق, ارتحل من صقيع بلاده إلى دفء الشمس وغواية الاسطورة .

          وجدت نفسي في الطريق الخالي, بين مسجد قلاوون وحمام إينال وبيت الكتريلة وسبيل محمد علي محاطةٌ بباعة السجّاد وهم يعرضون بضاعتهم للمارة, النسوّان يتدثّرن باليشمك التركي, والأطفال يحملون سلال البرتقال, رأيت نفسي محاطةً بأكشاش باعة الفخّار والنحاس كما في رسم ديفد روبرتس والرجال بالعمائم المجدولة والطرابيش التركية, بالرغم من أن اللوّن الذي كان يغشى المكان حوّلي هو لون الطين والحجر, لون التربة العتيقة الباهتة وهي تعكس سطوع شمس القاهرة, إلا أن عيني كانت تبصر الصورةَ المشّبعة بالأخضر والأزرق والأحمر كما رسمها المستشرقون.

          في القاهرة الفاطمية, في شارع المعز لدين الله, بين المآذن والقباب والمشربيات وبينما كانت الحياة تدبّ على مهل في الساعة الأخيرة من الصباح بعد ليلةٍ ساهرةٍ طويلة, كان من الصعب الفصل بين ما هو خيالٌ وما هو واقع, كان المكان قديمٌ جدًا, والناسُ فيه مستحدثون.

          عندما نوديَ لصلاة الظهر, كنت ما أزال بقرب مسجد سليمان آغا السلحدار, عبرت ممرّا مظلمًا ضيقًا, صعدت الدرج وانفرج بي المكان عن صحن المسجد الرخامي, كانت طريقة دخوله تعبّر عن فلسفة الضيق واليسر في الإسلام, عن قوله تعالى ” إن مع العسر يسرًا ” حيث يفضي الممر الضيق إلى ساحةٍ بهيّةٍ رحبه, أديّت الصلاة في جناح النساء, وابتدأت الرحلة في البيوت والمساجد والمنمنمات والنقوش والزخارف والآيات المحفورة على قباب الأسبلة والنوافير المتدفقة في أماكن الوضوء والأضرحة والحُجب المعلّقة عليها والدعوات.

          شعرت بتضاؤلي وأنا أغادر مسجدّا وأدخل آخر, حيث تنافس السلاطين وزوجاتهم في بناء المساجد والمدارس, كلُ من يخلف سابقه أراد أن يترك موطئ سجودٍ يكفّر خطاياه ويحيي ذكره, كلٌ منهم كان يعلي مئذنته ويوسع قبته ويزيد زخرف جدرانه, شعرت بتضاؤلي تحت وطأة الزمن والفن والعظمة, من أنا في حضرة مدينةٍ عُمرها ألف عام ؟

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s