القاهرة : المستشرق والمستشرقان

          في عبوري لشارع قصر النيل, لم أكد ألمحها, لافتةٌ صغيرة تحملُ رسمًا لسفينةٍ شراعية كُتب تحتها بخطٍ أنيقٍ متشابك L`Orientaliste تختبئ خلف ظلالِ شجرة. عُلّقت هذه اللافتة في عام 1953 عندما سلّم الخواجة السويسري فيلدمان نفسه لولعه الشرقيّ وقام بافتتاح مكتبة ” المستشرق ” جمع فيلدمان عددًا كبيرًا من الكُتب المختصة بالأبحاث الاستشراقية ومذكّرات الرحّالة إلى مدائن العرب, بالإضافة للسير الذاتية والمخطوطات واللوحات وكل ما وقع تحت يده من نادرٍ ونفيس, لإشباع شغفه وبيع بضاعته على خواجات الواقعين مثله تحت خَدَرِ الشرق وسحره.

          لم يهنأ فيلدمان بإدارة مكتبته لأكثر من ثلاث سنوات, كونه يهوديّ اضطر للخروج من مصر بعد العدوان الثلاثيّ عليّها في العام 1956, وتركها لمساعده المصري شارل بحري الذي اشتراها وزاد عليّها وضاعف مبيعاتها. في السبعينيات, كان ثمة شابٌ يمرّ في الشارع مثلما مررت فيه ولم أكد ألمحها, ولكنه كما حدث معي استوقفته الأغلفة القديمة واللوحات الفارسية المعروضة في نافذتها الزجاجية فدفع الباب الذي سيدخل عبره ولن يخرج منه.

          لم يرحب به شارل في البداية, ولمّا لمس فيه الاهتمام والشغف ازاء هذا الكنز المعرفيّ, عامله برأفه, وسمح له بالجلوس في المكتبة لقراءة الكتب التي لا يملك ثمنها, وقسّط له سعر ما يريد أن يبتاعه منها فتحوّل من متطفّلٍ إلى قارئٍ إلى صديق, تردد على المكتبة وصاحبها لسبعة عشر عامٍ كانت كفيلة بجعل شارل يتيقّن من أن ” حسن كامي ” هو الشخص المناسب لحمل هذا الإرث من بعده.

          يقول حسن كامي وهو الممثل وفنان الأوبرا المصري الذي قدّم أكثر من 1600 عمل أوبرالي في مصر ومدائن العالم ” بعد ما كبرت واشتغلت وكوّنت شركة, عديت فيوم عالمكتبة ولئيت شارل بحري إتشلّ, ومبآش آدر يتكلم كويّس, وفرح أوي لما شافني, وبعد ما كنت أترجاه لسنين أنه يبيعني المكتبة, راح هو طالب مني اشتريها, وفعلا وقعنا العقد ودفعتلو مبلغ وكملت الباقي في سنتين ” كان شارل حينها يخشى من دنوّ أجله وأن تضيع المكتبة بكل تراثها وتاريخها وكنزوها من بعده وتتحول إلى محل بيع أحذية أو ملابس رخيصة مثلما حدث مع معظم محلات وسط البلد.

          طلب كامي من زوجته نجوى إدارة المكتبة وأهداها إياها كقربانٍ للحب الذي جمعهما لسنوات, استقالت من عملها وأصبح عالمُها محصورًا في المكتبة مع الزبائن من الدارسين والمستشرقين الجدد والأكاديميين وعلماء الآثار, مُحاطةً بأكداسٍ من الكتب القديمة ذات الأغلفة الجلديّة السميكة المتشققة والنادرة والقيّمة واللوحات والمنمنمات والدراسات والغبار والزمن والحُب, منذ العام 1986 إلى 2012 حيث انتقلت إلى سعةِ الله وجواره, وظل حسن عاشقها وعاشق المكتبة بجوار صورتها المعلّقة مع ذكرياتها وأطيافها وابتسامتها التي تسرّ كل من يقع عليها نظره.

دخلتُ المكتبة, كما دخلها حسن لأول مرة, زائرةً فضوليّةً غيرُ مرحبٍّ بها!

كنت أبدو مثل السيّاح ثقيلي الدم الذين يحملون كامراتهم ويصوّرون كل شيء ويمضون, حاولت كسر هذه الصورة النمطيّة للسائح المتطفّل, وبدأت بالسلام وأبديّت الاعجاب بالمكان والاهتمام به.

          كان يجلس خلف مكتبه, بمظهرٍ أنيق وشعرٍ أشقرٍ مصفف بعناية, على الدرج يقف أثنين من الموظفين يرمقونني بنظرات الاستفسار, اخبرتهم بأنني قد قرات عن المكتبة وأعجبت بحكايتها, وأنني كاتبة من الكويت مهتمة بتدوين الأماكن والمدن التي أزورها, واستأذنت بالتجوّل بالمكتبة والتقاط الصور, كانت تحتفظ بعدد هائل من اللوحات الأصلية والمنسوخة, بالإضافة للمنمنمات التركية والفارسية ورسومٍ لأزهار ونباتات وصورٍ للأسر الارستقراطية ومصر القديمة, كما تحتفظ بساعةٍ أثرية وأثاثها العتيق.

 جلست بعدها في ضيافة الفنان اللبق قدّم لي كأسًا من الشاي وسيلاً من الذكريات. ابتعت كتابًا عن القاهرة في أدب نجيب محفوظ ولوحةً تصوّر بكباشي عثمانيّ, ومضيت نشوانةً بغنيمتي.

          أما المسّتشرقان, فهما لينرت ولاندروك. القاهرة مدينةُ الحكايات التي لا تنتهي والشخوص الذين تواتروا عليها مجيئًا وذهابا لم يستطيعوا الفكاك من سحرها, تابعت مسيري في وسط البلد وتتبع خطوات الخواجات التي أخذتني لشارع عبد الخالق ثروت وأوقفتني عند عمارةٍ عتيقة مسجّلة كأثر, مبنية وفق الطراز الباروكيّ بلونٍ كريميّ هادئ.

          في الطابق الثاني من العمارة, تقع حكاية الرحالة الألماني ارنست اندروك وصديقه المصوّر السويسري رودلف لينرت, جاب الصديقان مدن الشرق الأوسط, فلسطين وإسطنبول وتونس ودمشق واستقرا بالقاهرة, ألفوا الكتب دوّنوا الرحلة والتقطوا صوّرا للوجوه والحياة والبادية والبيوت والناس والواحات , افتتحا متجرا لبيع نتاجهما الثقافيّ وكتب الفن القديم والحديث وبعض الحاجيات الأخرى, المتجر انتقل من مكانه ليستقر في تلك الشقّة القاهرية الجميلة.

          في المكتبة/ المتجر, تُباع نسخًا من الصور التي التقطها لينرت وتعد ثروّة ثقافية معبّرة عن حال المدائن المشرقية في زمنه وخصوصا مجموعته عن القدس التي ألتقطها قبل النكبة, تباع التذكارات والكتيّبات والصور, كما تُعرض مقتنيات الصديقيّن, آلات الكتابة, آلات التصوير, النظارات والأدوات الشخصية وبطاقات السفر وذاكرة الترحال.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s