القاهرة : ريش وجروبي، مقاهي الزمن الجميل

” بالنسبة للمثقفين, مقهى ريش مثل القدر, محدش بيقدر يهرب منو “

*الروائي إبراهيم عبد المجيد

          يُقال بأن للسفر سبعة فوائد, أحدها أنك تلتقي بالآخر, بالشعوب والناس, وأنا تشدني تلك الفائدة بالذات من بين الفوائد السبع, أسافر لألتقي بالناس, للراحلين منهم على وجه الخصوص, أحب أن أشاهد مدنهم عبر تتبع سير حياتهم والأمكنة التي مرّوا بها, لذلك, ابتدأت مشواري الصباحي في القاهرة الخديوية بكباية شاي أحمد على طاولة مقهى ريش, المقهى الذي شكل قلب القاهرة الثقافي لعقودٍ من الزمن, وعاصر تقلباتها السياسية والطبقيّة والاجتماعية.

          عند تدويني لهذه الرحلة, يكون المقهى قد أتمّ عامه العاشر بعد المئة, منذ أن أنشأه النمساويّ بيرنارد ستينرج وباعه بعد ذلك للفرنساوي هنري بير الذي أعطاه اسمه ” Rich ” تيّمنًا بأحد المقاهي الباريسية الشهيرة, ومن مالكٍ إلى آخر, احتفظ المقهى باسمه, وشكله, وتكسياته الخشبية الخارجية, وستائره القصيرة التي تغطي نوافذه من الداخل وتحمي خصوصيّته, وبنوّعيّة روّاده من المثقفين ورجال المخابرات والصحفيين والصفوة.

          احتفظ بتقاليده وأعرافه, النُدل فيه بجلّاباتٍ زرقاء ومطرّزة بنقوشٍ ذهبيّةٍ شرقيّة وبوجود النادل الأقدم ” عم فلفل ” , يعيد المقهى الزائر لعصر البشوات والبكوات الذين كانوا يرتادونه, يُقال بأن المالك المصري الذي آل له المقهى في السيتنيات, كان يختار زبائنه, ويطفّش من لا يرتضيه منهم, حتى يحافظ على المكانة المرموقة والسمعة الثقافية للمكان, وبالفعل, في كل مرة كنت أدخله, كانت وريثته التي تدير المكان من بعده ترمقني بنظرات الاستغراب بدلا من الترحيب!

          بعد شرب الشاي على الكرسي القديم المحفور باسم المقهى, انتقلت للصالة المجاورة لصالة الجلوس, جدرانها مغطاة بالكامل بصور روّاده, فنانون, ممثلون, كتّاب, أدبّاء سياسيون وأعلام, روز اليوسف, أمل دنقل, أنور وجدي, مصطفى أمين ونجيب الريحاني, أم كلثوم غنّت به في بداياتها, وعندما بلغت من الشهرة مبلغها, كانت تشتاق لأيامها فيه, وتمر بسيّارتها على بابه, كان نجيب محفوظ يعقد صالونه الأدبيّ الاسبوعيّ على الطاولة المستطيلة, فيفيض المقهى بالحاضرين.     

          مقهى ريش من تلك المقاهي التي تمتلئ بحكايات روادها وتحتفظ بأطيافهم بين طاولاتها وجدرانها, تلك المقاهي التي لا يهمها أن تتطور أو تواكب ما يطلبه الزبائن الجُدد, الأمس فيها أهم من الغد والوفاء للراحلين أشهى من انتظار القادم.

          وعندما يتحدّث أحدنا عن مقهى ريش, لا يمكنه بأي حالٍ من الأحوال أن يتجاهل الحديث عن المقهى المقابل له ” جروبي “.

مقهى جروبي

          وفد الحلواني السويسري جياكومو جروبي إلى القاهرة في نهاية الثمانينيات من القرن التاسع عشر حاملاً معه أسرار صناعة الكريم شانتيه والمربى والكرواسون والشوكلاته السويسرية.

          افتتح محله الأول في شارع عبد الخالق باشا ثروت في وسط البلد, وأدهش المجتمع المصري الراقي بالمذاقات الحلوة التي حملها معه من سويسرا ومارسيليا, ذاع صيته ونمت تجارته, وافتتح فرعه الأكبر والأشهر المطل على ميدان سليّمان باشا والذي تحوّل لملمحٍ من أبرز الملامح في وجه القاهرة الحديثة, تشكّل المحل الجديد من بدروم كامل تحوّل لمطبخ يجوبه الطهاة والحلوانيين, صالون شاي باريسيّ واسع بنوافذ زجاجيّة شاسعة وعشرات الكراسي والطاولات يشغلها البشوات والهوانم والخواجات والنبلاء والأمراء, يخدمهم النُدل بالجلابيات والطرابيش, على مستوىً عالٍ من التدريب واللباقة والتهذيب, وحديقةٍ خلفيّة تُعقد بها الأمسيات الموسيقية والعروض الراقصة على غرار المسارح والمقاهي في فرنسا, لم يكن جروبي في زماناته مجرد مقهىً أوربيّ فاخر, بل كان حالة ثقافية متكاملة.

          ولكن, جياكومو حنّ لمدينته فعاد إليها, وأرسل ابنه اكليس ليدير مقهاه وتجارته, الابن الذي درس في أمريكا جاء معه بثقافة الطعام السريع, ولأن القهوة والاكلير والافطار كان يؤكل على مهل في جروبي, أنشأ محلاً آخرًا أطلق عليه اسم ” الأمريكين ” واصبح باستطاعة المصريين لأول مرة التوقّف في الطريق وتناول الآيسكريم اللذيذ الذي أدخله اكليس إلى مصر.

          لم يكتف الابن بذلك, بل اشترى أراضٍ زراعية, وأنشأ مزرعتيّن لتمويل مقهاه ومطعمه, الأولى لتربية الابقار والماشية التي تزوّده بالحليب اللازم لصنع الكريما والحلويات والجيلاتي, والثانية لزراعة الفواكه التي يحتاجها ولم تكن تُزرع في مصر مثل الفراولة والمشمش لتصنيع المربى والعصائر, أصبح كذلك المورّد الرئيسي للولائم والعزائم في القصور والفيلات والسرايات, وكانت الهوانم يتباهيّن أمام ضيوفهن بأن بوفيه العشاء المقدّم لهم سيكون من جروبي.

          ويُحكى فيما يُحكى عن زمن الملكيّة, بأن إليزابيث ملكة بريطانيا عندما كانت وليّةً للعهد تذوّقت مع أختها مارجريت شوكولاتة جروبي في قصر عابدين , وعندما أبدت اعجابها بمذاقها المُسكر, أرسل الملك فاروق مئة كيلو من الشوكولاتة إلى قصر بيرمنجهام في لندن.

أفلام مثل بنات اليوم, العتبة الخضراء, عمارة يعقوبيان و إشاعة حُب, صُوّرت بعض مشاهدها في صالون الشاي في جروبي, الصالون الذي ويا للأسف لم أتمكن من زيارته, كان مغلقًا للتجديد في المرات الثلاث التي قصدته فيها, مما جعلني أتجه للفرع الأقل شهرة, فرعه الأول في شارع عبد الخالق ثروت وأتناول المارون جلاسيه المُعدّ وفقًا للوصفة الأولى التي حضّرها جايكومو في بداياته, قطعة الكستناء الطريّة الغارقة بالسكّر, المذاق الأكثر تميّزا وشهرة في حلواني جروبي.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s