القاهرة : كرمة ابن هانئ، منزل أحمد شوقي

النيل العذبُ هو الكوثرُ , والجنةُ شاطئه الأخضرُ

ريّان الصفحةِ والمنظرُ , ما أبهى الخلد وما أنضرُ

*أحمد شوقي

          أنزلني شوفير الأوتموبيل بمحاذاة نهر النيل, كان النهارُ مُشمسّا والسماءُ بساطٌ أزرق يعير لونه للنهر الدافق من أمام البيت, طرقت الباب, قطعت تذكرةَ العودة في الزمن ودخلت عبر جهاز التفتيش.

          بوابٌ نوبيّ بجلّابةٍ سماويّةٍ فاتحة وبشرةٍ سمراء, يُميل طربوشه بيده ويسأل بلباقة ” أقدر أخدمك بأيه يا هانم؟ “, أجبته بأني من المستقبل, مُنقّبة في ذكريات الماضي, ومستكشفة للآثار الروحية والأدبية, جئت لأتلصص على سيّدك في قصره, أجالس ضيوفه وأقرأ قصائده وأطلع على بروفات مسرحياته التي يقيمها في صالونه. لم يفهم من قولي شيئًا ولكنه سمح لي بالدخول على أية حال.

          فيلا أوربيّة ببياضٍ ناصع, تحيطها جنيّنة من الأشجار الخضراء الوارفة, تبسق فيها أشجار النخيل وينتصب تمثاليّن من البرونز لصبييّن يحملان مشعلاً للنور ويحرسان المدخل, منذ ما يقارب المئة عام لم يبرحا مكانهما.

          كانت أم كلثوم في طريقها للداخل, بعدما قدّم لها أحمد شوقي دعوةً للغناء في أحد مجالسه الادبيّة التي يقيمها للأصدقاء والمثقفين في منزله ” كرمة ابن هانئ ” والذي أطلق عليه هذا الاسم لشدة اعجابه بالشاعر العباسي الحسن ابن هانئ الشهير بأبي نواس, تبعتها وقد كانت شابةً يافعة في بداية مشوارها, انفرج الباب عن صالونٍ أندلسيّ بزخرفاتٍ ذهبيّة لأشكالٍ اسلامية هندسية تزيّن السقف ونقشٌ بخطٍ كوفيّ للآية القرآنية التي قال تعالى في مطلعها ” ليس البر أن تولوا وجوهكم قِبَل المشرق والمغرب ولكن البرّ من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين .. ” كان الصالون بهوّا للاستقبال, أفرغ فيه شوقي اعجابه بالعمران الاندلسيّ الذي وقف في أطلاله عندما نُفيّ إلى اسبانيا بواسطة الانجليز بسبب تأييده لتحرير البلاد من الاستعمار, عاد بعدها لمصر وبنى فيلته البديعة بجوار النيل في العام 1920.

          غنّت أم كلثوم, أطربت القلوب فتمايلت الرؤوس وترددت كلمات الاعجاب والإطراء بين جنبات المكان, تحت سحر أدائها ورغبةً بتكريمها مدّ لها الشاعر بنفسه كأسًا فخجلت من ردّه وكانت لا تشرب الخمر, تظاهرت بتقريبه من فمها والشرب منه, حتى إذا أشاح بوجهه عنها اعادته لمكانه, لاحظ ذلك فتنزّل عليه الإلهام فكتب واصفًا المشهد على ظهر علبة سجائره: سلو كؤوس الطلا هل لامست فاها؟ واستخبروا الراح هل مسّت ثناياها؟

          في اليوم التالي, ذهب لمنزلها وقدّم لها القصيدة, لم تُغنّها في حياته, ولكن بعد موته بفترة, سلّمت الأبيات لأحمد رامي الذي عدّل فيها بما يُجيز غنائها وقام رياض السنباطي بتلحينها وشدت بها على ذكرى المجالس الأدبية في كرمة ابن هانئ.

          بعد انفضاض المجلس الأدبي من الصالون الاندلسيّ دعانا لتناول الطعام في الغرفة التي شهدت عشرات الموائد السخيّة نخب الأصدقاء والساسة والضيوف, كانت أطيافهم حاضرة بالرغم من أن الغرفة قد أفرغت من أثاثها وتحوّلت لمكتبةٍ زاخرة بالآثار الشعرية والأدبية النادرة.

          استأذن الموسيقار محمد عبد الوهاب للذهاب إلى جناحه ” عُش البلبل “, كان عبد الوهاب حينها ربيب شوقيّ الفنيّ, حيث تبنى موهبته واستضافه في منزله لسبع سنين, أفرغ له جناحًا كاملاً للإقامة وهيئ له سبل التلحين والتدريب على الغناء وكتب له خصيصًا قصائدًا بالعامية على غير عادته. قدّمه للمجتمع الراقي وعلّمه الاتيكيت وألبسه البدلة الأوربية, أخذه معه إلى باريس وأطلعه على الموسيقى الغربية في المسارح ودور الأوبرا والتي تركت بصمتها على ألحانه فيما بعد.

          انتهت الأمسية, أطفئت الأنوار, أسدلت الستائر ورُفعت الأطباق. تبعت شوقي وزوجته السيدة خديجة شاهين والتي أسماها ” القطة التركية ” لفرط حبه ودلاله لها ولأصولها العائدة للاستانة, تبعتهم للطابق العلويّ, سلمٌ خشبيّ بالتفافةٍ دائريةٍ أنيقة مغطى بسجّادةٍ حمراء يعرج للأعلى, كما تركه أمير الشعراء, لايزال يحتفظ الطابق بأثاثه الفرنسيّ الفاخر وتحفه الثمينة التي جلبها من أسفاره والمزادات التي خاضها في مدائن أوربا, كنباتٌ بأقدامٍ رقيقة هاتفٌ ثمين لوحة لنابليون ومكتبٌ من الخشب الطبيعيّ مزيّن بزخارفٍ من المعدن المطلي بماء الذهب على طراز أمبير يطل على النيل, بدلة التشريفات المطرّزة بخيوط الذهب والمحمّلة بالنياشين والتي كان يرتديها في زياراته للبلاط وفي حضرة الخديوي والملك من بعده, والكثير من المسودات التي كتبت بخطه.

          غرفة نومه مغطاة بورق جدرانٍ إيطاليّ, تطل نافذتها على الاهرامات التي حجبتها الأبنية والبيوت, كانت تطل على المدى والسعة والمكان الذي يذهب إليه كل جمعةٍ ليستريح, ثمة شيزلون أخضر يستلقي عليّه ويكتب, غرفة زوجته على مقربة, حتى لا يزعجها عندما يأتيه عفريت الشعر ويوقظه من النوم خصّها بغرفةٍ منفصلة, أثاثها بديع, سريرٌ نحاسيّ حُفر عليه عبارة ” نوم العوافي ” كقبلةٍ حانيةٍ على الرأس في كل ليلة, كنبتان وثيرتان ودولابٌ عتيق.

          غادر البيت سكّانه, احمد وخديجة, أبنيّهما علي وحسن والابنة الوحيدة أمينة,  تحتفظ الجدران بذكريات العائلة, والبورتريهات الزيتيّة المرسومة كما كانت عادت البشوات والعوائل الراقية بالحرص على رسم أفرادها وتخليدهم في اطارٍ مزخرف. لم يُمس أو يُطمس, والأهم ان اثاثه لم يُستبدل أو يُجدد كما يُفعل عادةً في البيوت التي تستحيل لمتاحف, منزل أحمد شوقي في الجيزة, النيل من أمامه والهرم من وراءه والمقطّم يشرف عليه من بعيد, يحكي فصلاً من أهم فصول الثقافة في قاهرة الزمن الجميل.

          استمعّت لأمين المتحف وهو يشرح سيرة الطفل الذي نشأ بين الأمراء وتعلّم تعليمهم وتدرّب تدريبهم في قصر الخديوي اسماعيل بفضل جدته التي كانت وصيفةً لإحدى زوجاته, وكيف نبغ في البلاط وأرسل لدراسة الحقوق في باريس وعاد لينال لقب أمير الشعراء, كيف بنى فيلته ومن أين جلب أثاثها ومن زارها ومن أقام فيها ومن مثّل بروفات مسرحياته في صالونها. استمعت لكلٍ تفصيلٍ كان يرويه بشغف ويسهب في حكايته, شكرته على الجولة الثرية فقال ” أنا أشرح على حسب الي قدّامي, اذا انبسط بفصّل واذا مل بختصر. “

          في الحديقة, استأذنت من البواب النوبيّ لالتقاط الصور مع تمثال سيّده والذي نُصب فيها بالثمانينيات على يد النحات جمال السجيني, يجسّده فيه جالسًا يُناظر في مدينته وإرثه وذكرياته. 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s