القاهرة : مينا هاوس، العصر الذهبي لفنادق مصر

بعد افتتاح قناة السويس وتعمير القاهرة الجديدة وبناء الفنادق الفاخرة, وحرص الخديوي إسماعيل على استضافة الأعيان والصحفيين والرسامين والكُتّاب من دول الغرب, ووجود القواعد العسكرية الأجنبية ونمو تجارة القطن والانفتاح التجاري, تحوّلت مصر إلى الوجهة الحُلم بالنسبة للكثيرين والموضة السائدة لقضاء شهر العسل أو فصل الشتاء الدافئ نسبيّا في الشرق, تحت غاوية الملذات المتبدّية في لوحات المستشرقين والكشفيّات الفرعونية الأثرية في الجيزة والأقصر وأسوان والانتشار الواسع للدعاية السياحية في الصحف العالمية, حملت المراكب مئات السيّاح القادمين من فرنسا وسويسرا وبريطانيا وإيطاليا والنمسا وأمريكا بأزيائهم الأنيقة وعاداتهم الراقية وجيوبهم الممتلئة بالمال.

          في الكتاب الذي يؤرخ للعصر الذهبي للفنادق في مصر Grand hotels of Egypt in the golden age of travel يظهر أولئك السيّاح  على مدخل فندق شبرد وقد ترجّل أحدهم لتوه من الأوتومبيل الأسود الفاخر, خلفه صَبيَ ببشرةٍ سمراء وجلاّبةٍ وطربوش يحمل الحقيبة المربّعة, أو في تراس سميراميس مجموعة من الأصدقاء بالبدلات الأوربية يتناولون الإفطار الإنجليزي بينما يجري من تحتهم النيل, أو في حديقة السافوي يجلسون على كراسي الخيزران يعتمرون البرنيطة القش ويلقون بأرجلهم واحدةً فوق الأخرى تحيط بهم أشجار النخيل الصغيرة والنُدل المتأهبون لأي خدمة, أما الصور الأشهر والأكثر انتشارًا والأقدر على سلب ألباب السيّاح واقتيادهم لمصر, هي الصور التي تظهر فيها الجلسات الهانئة في بلكونات مينا هاوس واحتساء الشاي على مرمى حجرٍ من الأهرامات.

          ولأن لُبّي ينتمي لألباب سيّاح ذاك الزمان, سلبته تلك الصور, واقتادته تحت سحر هدوءها ورواقها وجمالها لقضاء نهارٍ موعودٍ بعجائب العالم القديم وأناقة الزمن الجميل بجانب الأهرامات الثلاث.

          عندما حان موعد الرحلة, جلست في السيّارة كطفلةٍ قرأت لتوّها قصةً عن الأهرامات في المنهج الدراسيّ ووعدتها والدتها باصطحابها في نزهةٍ إليها, كنت مغمورةً بفرحٍ طفوليّ ومتحمّسة للقاءِ أمنيةٍ قديمة.

          تخيّلت الطريق كما وصفهُ المرتحلون وكما رأيّته في الأفلام القديمة, طريقٌ صحراويّ خالٍ إلا من خطِ الاسفلت المعبّد, يشّق الصحراء الواسعة إلى الواحة الخصيبة التي تحيط بفندق مينا هاوس, ولكنه كان طريقٌ سريعٌ حديث, يشقُّ مدينةً من العشوائيات المكتظة, والعمارات المشوّهة, المبنيّة من الطابوق الأحمر بلا تكسيّة أو طلاء, عواميد الاسمنت التي تسنده غير مغطاة, وأدوارها العليا بلا أسقف, وبعض حجراتها بلا نوافذ, خلتها للوهلة الأولى مدينةٌ لا تزال تحت البناء, ولكن السائق أكّد لي بأنها قديمة ومسكونة ” أصل الحتة دي للناس الغلابة, هي الحكومة هتعمل إيه, هتتشيل مين والا مين, توديهم فين, كلو مخالف وكلو يبني فوق بعضو بدون ترخيص! “

          قبل مغيب الشمس, بلغنا منطقة الهرم, لم يكن الهرم ملاصقًا لمينا هاوس كما في الصور ولم تكن تحيط به الرمال الذهبية الساحرة والجمال بهوادجها وسروجها الملوّنة بل بسورٍ اسمنتيّ عالٍ كما لو أنه سورٌ لسجن, على بوابته شرطيٌّ يمنع السيارات من التقدّم لأن موعد الزيارة قد انتهى, ترجّلنا وحاولنا الاقتراب علّنا نحظى بفرصة الدخول ولكن الضابط أمرنا بالتراجع, في تلك اللحظة الحزينة كنا صيّدًا سهلاً لصاحب الحنطور الذي أقنعنا بوجود طريق آخر يلتف على السور ويصل للهرم من الخلف, أسلمنا أمرنا لله وتبعناه, طلب منا السيّر معه إلى مربط فرسه في الاسطبل القريب, وأدخلنا إلى زريبةٍ أفضّل أن لا أصف وضعها أو رائحتها أو ما شاهدته فيها مما يكدّر صفو الخاطر ولا يسره, وما إن رأيت الحصان المتسخ والعربة الحديدية الصدِئة وكرسييها المتهالك حتى طلبت من زوجي أن نلغي زيارة الأهرامات ونكتفي بأمسيةٍ رومانسية وتناول العشاء في الفندق – مينا هاوس – ولكن صاحب الحنطور تمسّك بنا وحاول جاهدًا اقناعنا بقرب المسافة وسهولة الوصول ووصف لنا المنظر الرائع الذي سيأخذنا إليه وجمال أبو الهول بينما تغرب الشمس من خلفه والموقع المميز لالتقاط الصور, وركبنا تحت إلحاحه, وطال الطريق, بين البيوت الرثة والأحياء الفقيرة, وكلما سألته متى سنصل , كانت الإجابة ” وصلنا أهو “ , كان يقود بسرعةٍ جنونيّة بالنسبة لحصانٍ هزيل وعربةٍ متهالكة, في كل منعطفٍ أو مرتفع, تخال بأن العجلة ستفلت أو العربة ستنقلب, بالإضافة للمناظر المحزنة وتراكم النفايات وتناثر مستنقعات الماء خلف السور المحيط بالمنطقة السياحية الأولى في القاهرة!

          ولم نصل, بعد مرور أكثر من نصف ساعة من السيّر العقيم في الدروب الضيقة, طلبت منه وبحزمٍ ورجاء أن ينزلنا لنستقل سيارة أجرة, ووافق بعد جهدٍ جهيد, وبعد أن رُدّ عند إحدى المداخل وعاد لنا ليتعذّر بكذبةٍ ساذجة تُقال للسياح دومًا في مثل هذا الموقف ” مش هيّدخلونا, في واحد عاوز يرمي نفسو من الهرم وبيحاولو ينزّلوه “

          حسنًا, لأعترف, لقد بكيت في ذلك الموقف بسبب خديعته لنا واضاعته لوقتنا الضيّق وتعريضنا لهذا الخطر. في الحقيقة لا أستطيع لومه على الأسلوب غير الحضاري الذي استخدمه في استدراجنا لهذه الرحلة وحرصه على الكسب من ورائنا بالرغم من معرفته المسبقة بعدم إمكانية الدخول, ولكن ألوم نفسي على توقّع المستوى الرفيع من السياحة والخدمة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة لأهل المنطقة, وفهمت, فهمت بأنني دوما كنت أرى الجانب الرائع من الصورة, الفساتين الشيك والقبعات وطريقة الجلوس الأكابرية وديكورات المكان, وأنسى, أنسى أن أرى السكّان المحلين الذين يظهرون في طرف الصورة كبوّابٍ أو نادلٍ أو شوفيرٍ أو خادمٍ أو مجرد عابر يرمق السيّاح بحسرة.

          أخذتنا السيّارة إلى مدخل مينا هاوس, وكأن بين العالميّن خارجه وداخله برزخٌ فلا يلتقيان, ولا يمتزجان ولا يتقاربان.

          في البدء, في قلب الصحراء, كان إسماعيل الخديوي يخوض رحلات الصيد, ففكر باستراحةٍ يبنيها بجانب عجيبة الدنيا ورمز مصر, فبنى له قصرًا ريفيّا وأحاطه بالأشجار, وعندما أعاد بناء مدينته لاستضافة المحتفى بهم في حفل افتتاح السويس وسّع في قصره هذا وأضاف له, ودعا إليه ضيوفه, وبعدما ورث ابنه الخديوي توفيق ديونه التي أرهقته بسبب طموحاته, باع فيما باع من قصور أبيه هذا القصر, ابتاعه الزوجان الانجليزيان فريدريك وماري في العام 1883 , أضافا له أيضًا وجدداه وقضيا فيه شهر عسلهما وأسمياه ” مينا هاوس ” تيمنّا بأحد ملوك الفراعنة, ولكن وفاة فريدريك المبكرة بعد ذلك بسنتيّن, اضطر ماري لبيّع القصر إلى هوج و ايثل لوك كينج, الزوجان المولعان بالآثار الفرعونيّة,

          تمسّك الزوجان لوك بالاسم , وحوّلا القصر لفندق, في حديقته أقاما أول حمام سباحة في مصر وملاعبًا للجولف والتنس, احتفظا بالمشربيّات والأقواس الأندلسية والأثاث الأرابيسك المطعّم بالصدف والثريات النحاس والبلاط الأزرق, وأضافا بعض اللمسات الإنجليزية العصرية التي تضمن راحة النزلاء, وافتتحا به مكتبة مختصة بالفنون الشرقية والآثار الفرعونية من الكتب التي جمعاها من خلال رحلاتهم للشرق, كان في بدايات القرن العشرين الوجهة الأشهر في مصر, فندقٌ مريح, حديث, مجهّز بوسائل الترفيه , مطل على الأهرامات قريبٌ من المعابد الأثرية وأشبه بمتحفٍ للفن الإسلامي.

          نزله كونان دويل مخترع شخصية شارك هولمز وأغاثا كريستي والأميرة ديانا وتشارلي شابلن وبروك شيلدز عمر الشريف والعديد من الفنانين العالمين والمصريين في اثناء تصويرهم للأفلام في محيطه, بالإضافة إلى أنه كان المكان الأحب لأم كلثوم لقضاء الاجازات القصيرة. في الفترينة الزجاجية المعروضة بجانب مكتب الاستقبال تتزاحم صور الوجوه الشهيرة التي مرّت به.

          لعب الفندق دورًا سياسيًا مهمًا في الحربيّن العالمية الأولى والثانية, حين كانت القاهرة مسرحًا للاجتماعات وعمليات التخطيط ولقاءات الرؤساء, ومن احدى قاعاته تم اعلان استقلال كوريا.

          من بين القائمة الطويلة للفنادق التاريخية في القاهرة, مينا هاوس يعتبر من الفنادق القليل المحظوظة التي نجت من الهدم تحت ذريعة التطوير, صحيح بأنه قد جُدد وأضيف له بناءٌ حديث للتوسعة وزيادة عدد الغرف ولكن ما زالت ملامحه العتيقة متبديّة في بهوّه الرئيسيّ, وما أجمل احياء طقوس شرب الشاي التي ابتدعها الزوجيّن لوك لنزلائهم في العصريّة, بداخل صالون الشاي المصمم كخيّمةٍ عربيّة بنوافذ زجاجية شاسعة تطل على الهرم وتنسدل عليّها ستارةً من القطع المعدنيّة الصغيرة التي تضفي سحرًا مشرقيًا أخّاذ.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s