القاهرة الخديوية، والإقامة بسراي الجزيرة

” كان الولد يعاني من مرضٍ في عيّنيّه فأرسلوه إلى فيينا للعلاج ..عاش الولد في فيينا عالج عيّنيّه فرأى شوارعها ومبانيها, تردد على قصورها وشارك في مآدب نبلائها وحفلاتهم الراقصة..

قبل أن يتم الخامسة عشر, صدر قرار بإلحاقه ببعثة تعليمية إلى باريس لمدة أربع سنوات .. كانت العاصمة الفرنسية تشهد انقلابًا معماريّا يقوده شخص أسمه أوسمان, خطط لبلدية باريس الجديدة, شوارع عريضة صارمة في خطوطها الهندسية, تقاطعها الميادين المدوّرة, وتجمّلها الحدائق العامة..

أثناء رحلته التي زار فيها باريس ثم لندن ثم باريس مرة أخرى ثم الآستانه , أنعم عليه الباب العالي بلقب خديوي مصر, فعاد إلى عاصمة ملكه يحمل معه اللقب وأحلامًا جامحة في الهدم والبناء, وزير أشغاله كان رجلاً نابغّا فركز جهده على تخطيط مدينة جديدة..

امتدت قاهرة اسماعيل من ميدان عابدين وميدان العتبة إلى النيل, نزل الوالي من القلعة وانتقل مقر الحكم إلى قصر عابدين حيث الواجهة الإيطالية يتصدرها سور وبوابات من مشغولات الحديد ..

اشترى في سنوات معدودة 450 جسرا وألف ميل من قضبان السكك الحديد وأسلاك البرق وأنشأ مدارسَ ومسارح ومتحفّا للآثار وشيد القصور والحدائق, استقدم لها مهندسيين أوربيين..

بعد نفيّه ووفاته, واصلت مدينته نموها على الطريقة التي أرادها, يخطط لها معماريون نمساويون وفرنسيون وإيطاليون وسويسريون. “

*رضوى عاشور.بتصرّف

          هكذا تبتدئ الكاتبة رضوى عاشور حكاية ولادة القاهرة الخديوية/الاسماعيلة/ الرومية, في روايتها ” قطعة من أوربا “, القاهرة التي أدارت ظهرها لتراثها الفاطمي, المملوكي والعثماني القابع خلف الأسوار التي بناها جوهر الصقلي وراحت تتمدد بثوبٍ جديد حين أراد الخديوي اسماعيل أن يستفتح سنوات حكمه بنقل العمران والمعارف والمدن التي رآها في أوروبا إلى دولته.

          كان اثناء بناء مدينته, يواصل حفر قناة السويس بمعيّة المهندس الفرنساوي فريدناند دي لسبس وسواعد الفلاحين, وحين اكتمل بناء ” باريس على ضفاف النيل ” وشقّت السفن طريقها طافيّةً على مياه القناة, سافر الخديوي إلى أوربا لدعوة الملوك والرؤساء والوجهاء لحضور حفل افتتاح قناته والتعرّف على مدينته الجديدة.

سراي الجزيرة، وحفل افتتاح قناة السويس

جئت في زيارتي الثانية للقاهرة عام 2016 للمشاركة في حفل افتتاح قناة السويس المنعقد سنة 1869, جئت ضمن ضيوف الخديوي للإقامة في ” سراي الجزيرة ” السراي الذي أنشأه لاستضافتهم في القاهرة بعد مراسم الاستقبال والافتتاح في الاسكندرية وبور سعيد.

          كانت امبراطورة فرنسا أوجيني وإمبراطور النمسا فرانسوا جوزيف هم ضيوف الشرف الأبرز في هذه المناسبة, بالإضافة إلى ولاة العهد الأوربيين والفنانين والأدباء ورجال الدين ورجال الصحافة.

          عُهد لمهندسي قصر عابدين ببناء ساري الجزيرة, وللمصمم الألماني كارل فون بتأثيثه والاعتناء بتصاميمه الداخلية في ورشته في برلين وابتياع تحفه من باريس ونقلها للقصر, حرص اسماعيل على جعل جناح إقامة أوجيني نسخةً من جناح إقامتها في فرنسا, ولأنها من أصولٍ اسبانية كسى واجهة القصر بالطابع الأندلسيّ, هذه التحفة المعمارية التي اصطنعها إسماعيل لإبهار السيدة التي لطالما أبهرته لا تختلف حقيقتها عن تاج محل في الهند بكونها شاهدًا خالدًا على الحُب, حكاية الحُب والإعجاب الذي حمله لهذه الامبراطورة فائقة الذكاء والجمال والحنكة.

          القصر انتقلت ملكيته من شخصٍ لآخر, بعد ان استضاف ضيوف الخديوي وحفل زفاف ابنه بعد ذلك, كان لابد من بيعه لسد العجز الذي عانت منه الخزينة جرّاء كل هذا البذخ, تحوّل لفندقٍ متاح لعشّاق الحكاية ومتتبعيها, عقد فيه زفاف ابنة مصطفى باشا النحاس في الثلاثينيات وبعض مراسم الزواج الثاني للملك فاروق من الملكة ناريمان.

          هنا, حاصرني الزمن جلست للاستراحة في صالون الشاي, فوجدت نفسي بين لوحتيّن جداريتين ضخمتيّن, تمثل احداهما أوجيني وفرانسوا واسماعيل يتقدّمون المحتفين للمنصة الملكية للاحتفال في بور سعيد, والأخرى لمأدبةِ عشاءٍ فاخرة يجتمعون حولها على ضوء الشموع.

          عندما عبرت الحديقة, كان الماء لا يزال يترقرق في أحواض النافورة الرخامية منذ مئةٍ وخمسين عام, وموسيقى أوبرا عايدا تتدفق عبر الآلات الموسيقية كما عُزفت لأول مرة, حيث ألّفها الموسيقار جوزيبي فيردي بطلبٍ من الخديوي اسماعيل خصيصّا لهذه المناسبة, ولتقديمها في حفل افتتاح أوبرته, دار الأوبرا الخديوية, الخديوي المهوس بابهار ضيوفه, أراد أن يسمعهم صوتًا جديدًا لمدينته الجديدة.

          ولم يكن من المقبول أن تحيط أكواخ الصيّادين والعشيش التي غمرتها المياه بقصره, كانت المنطقة حول القصر تُسمى الزمالك, باللفظ التركي الذي يصف حال المكان آن ذاك, لذلك, أزال من أرضها آثار الفقر والماضي, وحوّلها لحيٍّ راقي يسكنه البشوات والأثرياء والأمراء الذين راحوا يبنون فيلاتهم فيها على الطُرز الإيطالية والفرنسية, وربطها بوسط البلد – القاهرة الخديوية – عبر كوبري قصر النيل الذي زيّن مدخله ومخرجة بأربعةٍ أسودٍ ضخمة من البرونز, تلك الأسود التي أضافت لألقابه لقب أبو السباع .

باريس الشرق

          التسكّع في وسط البلد وخصوصا الشوارع التي تلتف حول ميدان طلعت حرب في القاهرة هو تسكّعٌ في التاريخ وعلى صفحاته, تسكّعٌ في بدايات القرن الماضي, ونهايات القرن الذي سبقه, إن نزلت إليه في بواكير الصباح ستبصره كما كان في بدئ تخلّقه, بشوارعٍ واسعةٍ نظيفة, بنايات أوربيّة و محالٍ ذات نوافذ زجاجية كبيرة وأبوابٍ خشبية على طرازٍ فرنسيّ, لا يمكنك إلا أن تراه بالأبيض والأسود, كما رأيته مرارًا في الصور والأفلام, أما إن تأخرت وسبقك الناس إليه, فسيفقد نصف جماله في الزحام وبين الموتسيكلات وسيارات الأجرة والمُشاة والضجيج.

          بلغته لأكمل سفري للقاهرة الخديوية, كان الميدان ميدانُ سليّمان باشا عندما خططه المهندسون الفرنساوية والطليان والنمساويون على غرار باريس, ساحةٌ بدوّارٍ كبير, يتوسّطها تمثال سليّمان باشا قائد الجيش المصري الأول في عهد الوالي محمد علي باشا مؤسس حكم الأسرة العلوية في مصر, تتفرّع من الدوّار ستةُ شوارع, على رأس كل شارع منها عمارةٌ بديعة بواجهةٍ مثلثة كعمارةِ جروبي وصيدناوي وبهلر, أو بقوسٍ نصف دائري. كسائر وسط البلد, صُممت العمارات على طراز الآرت ديكو بنوافذٍ مستطيلة وبرندات من الحديد المشغول وزخارف جبسية وأشكالٍ تعبرية بارزة لملائكٍ أو أشخاص.

          بعد ثورة 1952 كان لابد من إزالة تمثال سليّمان باشا تزامنًا مع إزالة كل التماثيل المتبقيّة من العهد الملكي, فتم استبداله بتمثال طلعت حرب الاقتصادي المصري الشهير, وبذلك تغيّر اسم الميدان والشارع, ولكن لم تتغيّر الذاكرة والقصص والحكايات التي تشرّبتها الجدران وخبأتها الأدراج واحتفظت بها المحال والمقاهي.

          هناك, تحت كل بلاطةٍ تخطو فوقها, ثمة حكاية بإمكانك أن تراها وتستمع إليها وترويها..

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s