القاهرة : الزمالك وهوانم جاردن سيتي

فيلا الباشا والهانم

           ” متفوتيش العريس, ده لؤطه, ابن ناس وهيجيبلك شَأة بالزمالك “

  اقترنت عندي منطقة الزمالك في الأفلام والمسلسلات بكونها المنطقة الراقية التي يحلّم الجميع باقتناءِ شقةٍ فيها بإطلالةٍ نيلية بديعة, برغم كونها من المناطق القديمة نسبيّا في القاهرة, إلا أنها استطاعت إلى اليوم المحافظة على جمالياتها وهدوء شوارعها المظللّة بالأشجار الضخمةِ المعمّرة, لم تتحول إلى عشوائيات أو أحياءٍ متهالكة, يرجع ذلك إلى أنها كانت طوال عقود مقصد الطبقة الراقية من سياسيين وفنانين وتجّار وأكاديميين, حتى بعد أن هجرها البشوات والأمراء عندما ضُيّق عليهم وصودرت ملكياتكم, كما احتفظت بالأسعار المرتفعة للعقارات فيها مما حال دون تحوّلها لعشوائيات مثلما حصل للحلمية وحي جاردن سيتي اللذان تحولا من أحياء راقية إلى أحياءٍ مكتظة ومهملة.

          في كتاب  ZAMALEK MY HOME ISLAND يستعرض المهندس وائل عابد العصر الذهبي للمنطقة, النوادي الرياضية الراقية وسباقات الخيل والفيلات الواسعة بحدائقها الغنّاء كما تظهر في الصور الأبيض وأسود في مقدمة الكتاب والفعاليات الاجتماعية عندما كانت الزمالك في أيام مجدها كحيٍ من الأحياء الأرستقراطية في القاهرة.

          اليوم, لا تزال بعض هذه الفيلات موجودة, ولكنها تحوّلت لسفارات أو مقرات لإقامة البعثات الدبلوماسية مثل فيلا هوغ أو جامعات مثل فيلا توفيق إسماعيل بواجهتها البيضاء الجميلة ذات التصميم الإيطالي التي أصبحت كلية التربية الموسيقية, أو متاحف مثل الفيلا البديعة فيلا عائشة فهمي التي تحوّلت إلى مجمع الفنون أو مصالح حكومية مثل فيلا الأميرة سميحة ابنة السلطان حسن كامل والتي هي الآن مكتبة القاهرة الكبرى.

          حافظت الزمالك أيضًا على دورها الثقافي الرائد, بسبب هذه الكليات, وكلية الفنون الجميلة تحديدا, انتشرت فيها الجالريهات التي يعرض فيها الطلبة والباحثين نتاج أفكارهم والمعارض الفنيّة التي تحتفي بالرسامين والنحاتين والمراكز الثقافية مثل ساقية الصاوي والمسافر خانة وجالري القاهرة وعصفور النيل.

          عندما وقفت في شرفة غرفتي, في أحد البرجين اللذان أضيفا في السبعينيات لفندق ماريوت/سراي الجزيرة لم أشاهد الزمالك التي رأيتها في الصور القديمة, الفيلات الفاخرة بحدائقها الممتدة التي يتمشى فيها الباشا صباحا وتشرب في أحضانها الهانم شايها في المساء, بل كانت مجموعة متناثرة من الفيلات التي اقتطعت حدائقها وأحيطت بالعمارات التي تحجب عنها الشمس والنيل.

          ولكن, عندما نزلت, ومشيت في أروقة الماضي, بين الفيلات والبيوت والعمارات القديمة التي لا تزال تحتفظ بشبابيكها الخشب ونقوش الجبس والبرندات الصغيرة, شعرت بالتعاطف مع هذه المنطقة الجميلة, المنطقة التي تقاوم الحداثة بكل ما أوتيّت من أناقة الأمس.

هوانم جاردن سيتي

” يا روايح الزمن الجميل هفهفي

خذينا للماضي وسرو الخفي “

*اغنية مسلسل هوانم جاردن ستي

          – على فين يا أفندم؟ .. قصر عابدين .

تحت تأثير مسلسل سرايا عابدين, ومسلسل الملك فاروق من قبله, واللذان يصوران مشاهد من الحياة الملكية والسياسية بداخل هذا القصر, طلبت من سائق الأجرة أن يصحبني إليه حتى أملأ عيني بالأبهة والفخامة, عبر بي بجانب السور المهيب وأنزلني عند بوابةٍ جانبية وقال: تفضلي حضرتك, المتحف من هنا.

          استوقفني الشاويش للتفتيش وسألني عن غرض الزيارة فقلت زيارة القصر, فأجاب , القصر والا المتحف؟ قلت القصر. ” لأه بس القصر بيتصلح من جوه, المتحف بس مفتوح, سيبي الشنطة هنا وخدي تزكرة وتفضلي “.

          وتفضّلت, وأصبت بالخيّبة, حيث لا أسقف عالية ولا أسرّة مذهبّة ولا جناح الملك فاروق ولا فساتين فريدة ولا ولا ولا , كان المتحف مجرّد ملحقيّن من ملاحق القصر يفتقران للزخرف والفن, عرضت فيهما فضيّات الأسرة الحاكمة مثل طقم الشاي الخاص بالأميرة شفق نور واناء الفواكه الذي يزن مئة كيلو غرام من الفضة ويحمله عددٌ كبير من الخدم, لوحات مُهداة لرؤساء الجمهورية وصالة لأسلحة الأسرة العلوية ونياشينهم والتحف التي أولع الملك فؤاد وأبنه فاروق من بعده بجمعهم, جررت خيبتي وغادرته بعد أن ابتعت مجلديّن يصوران القصر من الداخل ويشرحان أجنحته وصالاته ومقتنياته, حيث العوض ولا القطيعة!

          طلبت من السوّاق بعدها التوجه لوسط البلد, قابلتنا في طريقنا لافتة كُتب عليها ” جاردن سيتي ” – وهو الحي الذي انشأه الخديوي إسماعيل بجانب قصر عابدين لإقامة الأعيان والمقرّبين – ما إن قرأتها حتى تفجّر في رأسي سيلٌ من الذكريات, أتتني أطياف الهوانم , شهرت ومنيرة وشكران ونعمت وشاهنده, عدتُ طفلةً تتابع مع أمها أحداث المسلسل, مفتونةً بشياكة الهوانم وفساتينهن وقبعاتهن, بلباقة الحديث ولغة الحوار والمؤامرات والمكائد, فقلت له ” اعمل لفّة في جاردن سيتي عاوزة أشوفها “, “عاوزة تشوفي إيه حضرتك, دي كلها سفارات وبنوك وزحمة موظفين ” واستدار.

          عَبَر بجانب سميراميس والسفارة البريطانية وكمبنسكي والفورسيزن الذي بُني مكان فيلا شريف باشا صبري شقيق الملكة نازلي, والفنادق النيليّة الأخرى, ” عاوزة فين في جاردن سيتي ” كدت أقول له ” فيلا الشاذلي باشا ” لولا أنه شخصية وهمية من المسلسل, فسألته, ” هي المنطقة دي مش فيها فيلات وبيوت البشوات ” ضحك ”  آه دا كان زمان ” , ” طب عاوزة أشوفهم “.

          ومر بشارعٍ عتيق لا يزال يحتفظ ببقايا زمن البشوات, القصور التي فعل فيها الزمن فعلته أول ما ستراه منها جدرانٌ بلونٍ رماديّ متسخ, يغشاه التلوّث والديزل ولكن لا يطمس تماما ملامح الرقيّ والفخامة فيها, الحديد المشغول في الأبواب والأسوار وحواجز النوافذ لم يسلم من الصدئ وانطفاء اللون, أغلب الفيلات تحوّلت لسفارات أو مدارس, أو أغلقت أبوابها.

          تلك الأبواب التي كانت مفتوحة على الدوام بانتظار الضيف المتوقّع في أي لحظة كما تذكر سامية سراج الدين في روايتها ” بيت العائلة “, الرواية التي تستذكر فيها الحياة الوادعة بين فيلةِ والدها في الزمالك وفيلا سراج الدين باشا في جاردن سيتي, تسرد من خلالها أصول ولاد الذوات المتبعة في تلك الأحياء الراقية والتعاليم الصارمة للباقةِ وأناقة العيش, تسرد مناسباتهم, وأتكيتهم, ووصف حجراتهم وأثاثهم ولباسهم واجتماعاتهم على موائد السفرة حيث السفرجيّة المدربين والأطباق الطيّبة, وكيف حلّت عليهم الويلات بعد الثورة ومصادرة الأملاك والتضييق والملاحقة السياسية.

          مررنا بالفيلا, فيلا سراج الدين باشا, التي هُجرت لعقود, وقد تجاوز عمرها المئة عام, منذ أن قام الخواجة الألماني كارل بايرلي ببنائها عام 1908 إلى أن اشتراها سراج الدين باشا وسكنها من بعده أولاده وآخرهم فؤاد سراج الدين السياسيّ الوفديّ الشهير والشاهد على تاريخ طويل من الحراك السياسي في مصر, غنت بها أم كلثوم وعبد الحليم وزارها فاروق وعبدالناصر, وبعد وفاة الباشا وتشتت الورثة بيعت بكامل إرثها العمراني من تماثيل وزجاجٍ معشّق بالألوان وأدراجٍ رخامية ومصعدٍ كهربائيٍ أثري.

          مررنا بالعمارات القديمة تتداخل فيها الطرز الأوربية, الإنجليزية والفرنسية والإيطالية, تصطف برزانةٍ بجانب بعض, لا تتجاوز الطوابق الخمس ويكاد كل تمثالٍ يستند فيها على المداخل وبانوهٍ جبسيّ يؤطر الشبابيك وكل طوبةٍ أن تنطق بالفن, الفن الباهت المُهمل العتيق. 

          المشهد في جاردن سيتي اليوم, لا يشبه أبدا المشهد الذي كان قبل ست عقود, حلت عليه ذات اللعنة التي حلّت على الزمالك, ولكن بإمكانك أن تتخيله, أن تتخيل الخواجة جروبي يقدّم من مقهاه خدمة ” صباح الخير ” التي توصل إلى بيوت جاردن سيتي الحليب الطازج وشطائر الإفطار في تمام السادسة, وأن تتخيل الفتيات المهذبات بالمراييل المدرسية الأنيقة وضفائر الشعر المنتهيّة بشرائطٍ بيضاء معقودة يذهبن بصحبة الدادا والشوفير إلى مدرسة الراهبات لتعلّم الفرنسية والأخلاق وقواعد السلوك, الباشوات يتبادلون تحايا اليوم الجديد في طريقهم لإدارة أعمالهم, والشغالين والبوابين والطهاة والشوفرية يموجون في عالمهم الموازي لعالم القصر.

          بإمكانك تخيّل الليالي الصاخبة ومناسبات الخطوبة وأعياد الميلاد والترقيات والاستقبالات, الرجال بالبدلات الطليانية والنساء بالفساتين السواريه والمجوهرات المفصّلة لهن خصيصًا في باريز وسويسرا والمختومة بأسمائهن.

          تخيل, تخيل وحسب..

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s