القاهرة مدينةٌ حمّالةُ أوجه..

بعض المدن تمتلك ذاكرتيّن في أذهاننا, ذاكرة تتشكل قبل اللقاء توقد القلب شوقّا لتلمّسها, نكتسبها من الكتب والأفلام والتلصص على حكايات التاريخ, وذاكرةٌ أخرى تتشكل بعد زيارتها, قد تمحو الصورة الجميلة التي تخيّلناها وقد تزيدها جمالاً وألقا.

القاهرة, حمّالة أوجه

          ما هو الشكل الذي تبدو عليّه المدينة حين تزورها؟

المُدن، أغلب المُدن يمكنك أن تراها بشكلها الحالي، تراها كما تبدو عليه هي الآن جزءًا من الحاضر، إلا القاهرة، حين تزورها لن تستطيعَ الفكاك من ذاكرتها وصورتها في ذاكرتك، القاهرة بضحكةِ اسماعيل يس وشقاوةِ فيروز الصغيرة, القطقوطة وهي تتنطط مثل العفاريت في أفلامها دهب وياسمين ، القاهرة بأُبهةِ الملك فاروق وأخواته الأميرات الجميلات فوزية وفائزة وفائقة، القاهرة التي امتلأت بها حواسك حين سمعت الحكاية التي قصّها عليك نجيب محفوظ ونظمها شوقي وكتبها احسان عبدالقدوس ,، القاهرة التي تراقصت على ايقاعات فوازيرها شيريهان وتجسدت بصوتِ أم كلثوم وهو يسيل في روحك ” فكروني عنيك بأيامي الي راحوا ” فتفتكر حين تزورها كل ذكرى حملتها بداخلك لمصر، قاهرة البشوات بطرابيشهم الحمراء ومشيّتهم المتكبّرة, والخواجات الباحثين عن سحر المدائن المروية في ألف ليلةٍ وليلة والنَّاس الغلابة ” إلي على باب الله “، قاهرة الفاطميين والفلاحيين والولاة الأتراك والفنانين والأدباء والساسة.

           زيارة القاهرة ليست مجرد زيارة او سياحة أو استجمام، زيارة القاهرة هي حالة ثقافية متكاملة، حالة غوّص في الأمس والتاريخ والشعر والرواية و” السيما ” والأغنية.

          عندما زرتها، وجدت نفسي أمام تاريخها بأكمله، القاهرة عبارة عن مدينة مبنيّة طوبة طوبة من ذاكرتها، كل حدثٍ أو شخص يمر فيها لا يُغادر، يظلُّ حيّا في الأزقة والمحال وشبابيك البيوت وسماعات الفونوغراف والأحاديث اليومية العادية على طاولات المقاهي حيث لايزال يتناقش الناس حول قرارات عبد الناصر في الحرب والصلح وأسرار سعاد حسني وحقيقة زواجها من عبد الحليم ولعنة الفراعنة التي طاردت المستكشفين.

             اعتدت في كل سفر أن أسافر للمدينة ابتداءً عبر ذاكرتها، تاريخها وروحها القديمة، لا تشدني كثيرا المدن في شكلها الحديث، فيما تبدو عليه الآن وقد انصهرت ملامحها في صهريج العوّلمة، فباتت كأنها مدينة واحدة بأسماءٍ مختلفة، في كل سفر أبحث عن أرواح ساكنيها الحقيقيين, أناسها الذين عمّروها بالفن والأدب والحكايا والأساطير، أناسها الذين صنعوا ذكراها الحقيقية, ولكن, ما إن وصلت القاهرة للمرة الأولى حتى تُهت, تُهت في الزمن وفي الحكاية وفي المكان, تخبّطت كمن به مسّ, كلما أمسكت بحكايةٍ من حكاياتها شدّتني أخرى قبل أن أكمل التي بين يديّ.

          هل يكفي فصلٌ هزيل في كتاب ما للإحاطة بثلاث زياراتٍ لهذه المدينة الهائلة؟

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s