المائدة الباهية

          المدائن عادة تلهم أنفسها، تستقي فنها من تاريخها وحضارتها، شدني كثيرا في الأسفار التشابه الكبير بين ما تنتجه أيدي الصنيّعيّة والحرفيين، وبين عمران المدن.

          في أصفهان كانت المنمنمات الفارسية تزحف على التحف والمعلقات والصناديق الصغيرة، في أوربا، شاهدت أزهار القصور واللوحات الكلاسيكية المرسومة على أسقفها تسكن قعر الأكواب وأطراف الصحون، في اسطنبول تعتلي أهلة المآذن أغطية الأطباق النحاسية وتنمو زهور التوليب على الأواني بنفس الرتم الذي تكسو به جدران الباب العالي.

          ومن المحال الصغيرة المنتشرة حول قصر ” الباهية ” في مرّاكش، جلبت لي أطباقًا خزفية منقوشة كما النقوش التي تملأ المكان، جلبتها لمائدتي وكأني جلبت قطعة من جدران القصر لمنزلي.

          كنت كلما اشتقت لمرّاكش, لحواريها, روائحها, مذاقها وموسيقاها, فرشت المفرش بالطرز السلاوي على الطاولة أخرجت الأطباق من مكانها في دولاب العالم, أستحضرت أسرار للا عيشه وتوابل السوق القديم ونكهات دار ياقوت والأيام والليالي التي قضيتها هناك, في البلاد التي تمثل أقصى الغرب في جسد الوطن العربي, في المغرب الحبيب..

          مراكش كانت من تلك المدن التي تسكنها أياما، فتظل تسكنك زمناً ولا تغادرك، تظل تفتش عنها في مقتنياتك الصغيرة، في الصور التي التقطتها لروحك وهي ترفرف في الأزقة والدروب، في النكهات التي تنقل مائدتك لتينك البلاد، وتسافر بك..

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s