سندريلا في مكناس !

شويّخ من أرض مكناس

وسط الاسواقِ يغني

شعليّ أنا من الناس

وشعلى الناس مني

          حين تهيم في أزقة مكناس بلباسٍ محلي وقلبٍ مقبلٍ على المدينة، تدخل حارةً وتغادر أخرى، تستكشف المحال المتناثرة والأسواق القديمة والقصر المهيب وتتملى في الوجوه التي تطوف حولك, ستنبعث الأغنية في رأسك، ستشعر وكأنك ذلك ” الشويّخ ” الذي يسير بين الناس غير مبالٍ بهم، وهم به غيرُ آبهين، لفرط بساطة الحياة وبساطة مباهجها هناك.

          حين ودّعنا فاس, كان ولا بد من زيارة أختها الصغرى ” مكناس “, أختها في التاريخ والحضارة والملامح المتشابهة, في العمران والثقافة واللونين الأصفر والأخضر.

أنزلنا السائق في ساحة الهديم, وقال: من هنا تمتد المدينة وتتفرع. الساحة في المدن عادةً هي السرّة, الوسط الذي يدور حوله الجسد ومنه ينبثق ويتكوّن, اتخذت الساحة أسمها من عمليات الهدم الذي قام بها السلطان إسماعيل لتسويتها وجعلها مكانًا تجتمع فيها جيوشه قبل انطلاقها للقتال, وأصبحت اليوم  أنموذجٌ مصغّرٌ من ساحة الفناء في مرّاكش, إلا أن محلات الفخّار والأواني هي الغالبة, كان المحل منها يمد بضاعته على الأرض إلى وسط الساحة, كسجّادةٍ بهيجة الأوان والرسوم, بمشهدٍ لم أره في المدن الأخرى.

الساحة تمتد أمام بوابة القصر الملكي حيث تصطف الأحصنة والعربات بداخل أسواره, كل سائسٍ يزيّن عربته بشكلٍ استعراضي, العربة التي اخترنا اخذ جولتنا بها كانت مزيّنة على طريقة عربة سندريلا!

طاف بنا الرجل بمحاذات أسوار القصر الداخلية شارحًا تاريخه, ومجموعة القصور التي بنيّت بداخل أسواره مع تعاقب الأمراء والسلاطين عليه, والاسطبل المهيب التابع له والذي كان يغذي الجيوش بأجود أنواع الخيل, حيكت حوله الأساطير والملاحم ومن بواباته خرج مئات الفرسان إلى أرض المعركة, وضريح مولاي إسماعيل المفروش بالسجّاد الأحمر, المبنيّ ككل الأضرحة للمباهاةٍ والخلود.

أخذنا للحدائق التي تحيط بالقصور ويتنزه فيها العامة, وصهريج الماء الذي يغذيها, كبحيّرة اصطناعية وسط الخضرة والبساتين, تُعرف أرض مكناس ومحيطها بأنها أراضٍ زراعيّةٍ خصبة, تمتلأ بالفلاحين والزيتون والعنب. أعادنا لمدخل الساحة, فطفنا في السوق القديم, كانت الزيارة قصيرة, لا تتجاوز الساعات الثلاث ولكن, حين تهيم في مكناس، ستتوه في المدينة التي تبدو كقصرٍ خرافيٍّ شاسع، كسوقٍ بمئةِ بوابةٍ سرية، أو كلوحة هاربة من كتب التاريخ للعالم الحديث, وحين تودّعها ستودّع مولاي إسماعيل وللا عودة والشويّخ الذي كان يغني في أرض مكناس, تعرفه منذ طفولتك, منذ سمعت الأغنية للمرة الأولى فابتدأت في ذاكرتك العلاقة بالمدينة.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s