فندق لورياض : بيتٌ فاطميّ

كان نُزلاً شعبيًّا يستقبل طلاب العلم والتجار والعابرين في حي الجمالية, نزلٌ متهالك متسخ وقديم, ابتاعه يوسف تقلا تحت تأثير زوجته الفرنساوية فيرونيك التي أصابها ما أصاب أجدادها الخواجات حين زاروا القاهرة ووقعوا تحت سطوة سحرها, أولعت فرونيك بالقاهرة الفاطمية وحلمت بامتلاكِ فندقٍ فيها على غرار الخواجة شبرد صاحب الفندق التاريخي الشهير والخواجة بهلر الذي امتلك السافوي وكتراكت والجراند أوتيل.

          ولكن على خلاف الخواجات الذين اقاموا فنادقًا كُبرى على الطراز الأوربيّ الكلاسيكي, في قلب القاهرة الجديدة, أراد الزوجيّن اللذين مسّهما سحر القاهرة القديمة للفندق أن يذوب في الجو العام للمكان ولا يشذّ عنه, قاما بكسوة واجهته بالأرابيسك والمشربيات, فبدى حين تشاهده من الخارج كمنزل ثريٍّ عثمانيّ بجانب مسجد سليمان آغا السلحدار ومقابل بيت السحيمي.

          أما الأجنحة والغرفات, فتم تأثيثها تحت شعار Tell the story  ” احكِ الحكاية ” حكاية مصر, تاريخها والمكونات الفسيفسائية لتراثها, كل جناحٍ يروي قصةً ما ويُشبع شغف السائح إلى القاهرة التي يريد رؤيتها في زيارته.

          في الجناح الملكي, تستند صورةً كبيرة للملك فؤاد على الجدار, تحتها أبسيون فرنساوي مذهّب ومنجّد بقماشٍ أحمر, صور متفرقة للأسرة الملكية في مناسباتٍ مختلفة, فاروق وشقيقاته في طفولتهم, الأميرة فوزيّة بزفافها على شاه إيران والملكة ناريمان.

          في جناح الخط العربيّ, لوحات كالغرافي بأحرفٍ متداخلة وغطاء للسرير مطرّز وفق فن الخيّامية بأبيات قصيدة الشاعر حافظ إبراهيم ” مصر تتحدث عن نفسها ” .

          جناح نجيب محفوظ مزيّن برسومٍ تخيّلية لشخصيات رواياته, وعلى منضدة المكتب هناك آلة كاتبة قديمة.

          أما أم كلثوم فكان من نصيبها الجناح الأوسع في الفندق, الكثير من لوحاتها وصورها تتوزع على الجدران المطلية بالأزرق, ولعشّاق مصر الخمسينيات أمثالي, هناك جناح سينما حيث أفيشات الأفلام القديمة ولقطات بالأبيض والأسود لفاتن حمامة وعبدالحليم ومريم فخر الدين, كما أن أثاث هذا الجناح مصمم بشكل أنيق يشبه أثاث غرف النوم في استديو القاهرة حث تم تصوير العديد من الأفلام.

          وددت لو أن الغرفة المجهزة لاستقبالنا تكون احدى تلك الغرف, ولكن, وجدت نفسي في الجناح الفلاحي, الذي يعبر عن الفلاحين والواحات في الصعيد, وجدت نفسي للمرة الثانية قبالة وجهٍ آخر من وجوه القاهرة غير الذي جئت بحثًا عنه, كانت الأرضية مفروشة بالكليم اليدوي, الكراسي من الأرابيسك والموزاييك والطاولات طبلياتٌ نحاسية, كان الجناح أشبه بمسرحٍ للعرائس, المسرح الذي لا تخلو منه ذاكرة الطفولة, حيث تتنزل دُمى الحكايا من الخيوط الطويلة, وتتحرك بداخل الصندوق السحري, وزّعت عرائس المحشوة بالقطن, المصنوعة يدويّا والتي ترتدي اللبس الفلاحي, الجلابية والملاية اللف والبيشة الشبكية – البرقع المصري – , وزرعت على الأرائك لتسكن معك وتؤنسك في الجناح, كل قطعةٍ في الفندق مصنوعة في مصر, تحمل بصمات الفنان المصريّ, حُملت للغرفات والأجنحة من الورش والمحال التي تحيط به .

          اقامتي فيه كانت في عام 2014, في زياراتي التالية للقاهرة كان مظلمًا وساكنًا, لم أجرّب طرق بوابته ولكن كان واضحًا بأنه مغلق, في الحقيقة, حمل المكان فكرة رائعة, واختار موقعه في قلب تاريخ مصر وبين أناسها البسطاء, حيث يهفوا بعض السيّاح للامتزاج بهذه البيئة الحقيقية بعيدًا عن الغرف المعلّقة بين الأرض والسماء في الفنادق الفاخرة البعيدة.

          ولكن ربما الظروف السياسية للبلد, والزحام والفوضى في ذلك الحي, وكون الفكرة والمكان لا يساعدان إلا على استقطاب جزء بسيط من السياح الذين يحملون شغف السكن بالفنادق البوتيكية, هو ما لم يساعده على الاستمرار بالإضافة لافتقار الفندق لمقومات الفنادق الراقية من نظافة وجودة الخدمة وتمرّس طاقم العمل بالرغم من نجومه الخمس وتصاميمه المتكلّفة, قرأت على صفحته في الفيس بوك بأنه مغلق للتطوير, آمل ذلك.

            في الصباح نزلت للإفطار في الطابق الثاني, كان الصباح يتدفّق بدفء عبر مشربيات المنزل كستارةٍ من نور, أبهرني ضوّؤها, الضوء المحتشم، الذي يحجب باطن المنزل وحُرمته عن الطريق، ولا يحجب الطريق عن ساكنيه، اقتربت من المشربية تلصصت على الحياة عبر ثقوبها, كان الشارع الصاخب لا يزال يغطّ في سباته, ساكنٌ إلا من حركة عربة الفول التي يجرها عم حسنين, وبعض المارة الذين يبادلهم التحيّة.

          مدّ المضيف امامي أطباق الفِطار, فطلبت منه استبعاد الكرواسون والبان كيك والكافيه لاتيه ” أنا مقتش مصر عشان آكل فطار فرنساوي ” ضحك على لكنتي الركيكة واعتذر بلطف, ” معلش يا فندم, هو دا الفطار النهارده ” وعندما أصريّت على طلبي قال ” من عنيّا ” ونزل يجري على الشارع ليبتاع من العربة المجاورة الفول والطعمية والعيش المصري, أعدّ لي قرصَ بيضٍ بالسمن البلدي وتمنى لي الهناء والشفاء مقابل بقشيشٍ بسيط دسسته في يده.

          قرّبت الكرسي من النافذة المغطاة بالأرابيسك, رحت أتخيّل الحياة التي شاهدتها في مسلسلات زمان ” حديث الصباح والمساء ” و لن اعيش في جلباب أبي ” و ” قصر الشوق “.

          لاح لي طيف شكرية وهي تلتفع بالملاية اللف وتحجب شعرها بالمنديل المزين بكراتٍ ملوّنة, يتدلى من تحته ” الحلئ الدهب ” , خطواتها بالحارة بمثابة استعراضٍ موسيقيّ, يرن خلخالها وتصطك في يدها الغوايش, تشك تشك تشك, تتناهى إلى مسامعي عبارات الغزل ” يا أرض احفظي ما عليكي “, ” داري الحسن داري ” , ” صباح الفل عالناس الكل ” .

          بلغتني أحاديث الجارات من خلف الشبابيك أثناء نشر الغسيل, ونداءات الأمهات للصبيّة في طريقهم للمدرسة ” نسيت السندويتش يا واد “, سمعت أصوات الباعة وهم يستفتحون يومهم بطلب الرزق ” عليك ولا على غيرك يا رب “.

          تناولت افطاري البلدي, ونزلت مسرعة لاستكشف هذا المكان العجائبي, الذي تتداخل فيه العوالم والأزمنة.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s