مراكش : المامونية، حدائق ماجوريل والخروج من أسوار المدينة القديمة

المامونية

          مرّاكش الحمراء، القديمة الجميلة، سورها يلتف حولها كذراعيّ أم، أمٌ تحتضن صغيرها لحمايته، للحفاظ عليه وضمان استمرار حياته..

مرّاكش القديمة، بحاراتها الضيقة وأناسها البسطاء الطيبون، الثياب الشعبية، الوجوه الطاعنة بالسن والأطفال الكثيرون، الرجل الذي يجر خلفه العربة، والحمار الذي يقف خلف السيارة على كتف الطريق، ستسير فيها وكأنك تسير بداخل فيلمٍ وثائقي، تنبعث في خيالك موسيقى مغربية وعيناك كامرة ترصد الابواب والنوافذ والخطوات، مأخوذة كنت بسكرة المكان، وكان زوجي يصرّ أن ثمة ماهو أكثر من ذلك في مراكش، الوجهة الأولى للسياحة في المغرب، هذا الكم الهائل من ابناء العم سام والسير ويليام، لايمكن أن تكون هذه فقط هي المدينة!

مشينا حتى أطراف السور، قبل ان نعبره بلغنا فندق ” المامونية ” أو قصر المامونية، اضخم وافخم فنادق المغرب, وأحد أشهر فنادق العالم، وجهة المشاهير وقبلة الأمراء، تدخله وكأنك تدخل قصرا بديعا، تستقبلك سيارات البنتلي والمرسيدس والبي أم على أكبر وافخم طراز، فجأة يتغير العالم، ينقلب، وكأن بين العالمان برزخٌ فلا يلتقيان، كل ما عليك أن تعبر البوابة، أن تلج القصر، أن تبتلعك الحداثة..

لم يُبنى كغيره من قصور المدينة بأيدِ أهلها, بل بواسطة المهندسيّن هنري بروست وأنطوان مارشيسو في العام 1923, سكنه تشرشل رئيس وزراء فرنسا والملكة إليزابيث وجاك شيراز وشارلي شابلن.

المامونية، الفخامة والدهشة والابهار، النظافة والترتيب، اللباقة والرفاه، وفي المقابل، الحياة البلاستيكية، الخالية من الحميمية الحقيقية للمغرب، سيفتح لك الباب رجل مغربي بلباسٍ تقليدي فاخر يتسرّبل بالسلهام الذي يزيده مهابة. لن يقول لك: مرحبا,سيقول لك: بونجور، وهو ينظر للاشيء، لن يبتسم لك أوينظر في عينيك, فذاكَ عارٌ في عرف الفنادق الراقية!

سترفع رأسك للنقوش، لكنها لن تلامسك، لا تستطيع أن تنكر الجمال، لكنه غير حقيقي، الجمال المصطنع، المتكلف، الممزوج بالتصاميم العصرية، الفنادق الفارهة، الكبرى، المغرورة في مراكش، قد تجاوز الرياضات الصغيرة لكنها لن تبلغ حقيقة المدينة.

خارج أسوار المدينة القديمة

          بعد ثلاثة أيام قضيتها بأحضان المدينة القديمة في مرّاكش، كان لابد من الخطو خارج السور الذي يحيط بها لاستكشاف الوجه الجديد لها، الوجه الذي يتبرّج بمساحيق الحداثة، حيث ترتفع علامة ماكدونالدز بجانب متاجر زارا، وتتزاحم الفنادق الكبرى والسيارات الألمانية وتختفي الأحصنة والعربات ويظهر الشبان الذين خلعوا الجلابة والبلغة ولبسوا الكاجوال والأحذية الرياضية.

وحتى في الجزء الحديث منها, رحت أبحث عن حكايا الشخوص التي مروا بها والأماكن التي احتفظت بالذكريات.

          في شارع فرعي من الساحة الجديدة، ” ساحة ١٦ نوفمبر”

يقع المقهى الفرنسي القديم ” le grand cafe de la poste ” بناه الفرنسيون قبالة مكتب البريد فاتخذ اسمه ، المقهى رائع وهادئ، يتكون من ثلاث طوابق وجلسة خارجية، يقدم اطباقا فرنسية بجانب انواع الحلويات والمشروبات، من يفكر بزيارة مرّاكش، عليه أن لا يفوت الفرصة للعبور نحو القرن الماضي, بدايات الاستعمار والتغيير في الملامح الثقافية من خلاله.

          ولعل الحكاية الأكثر شهرة في الجانب الآخر من السور, حكاية الرسام الفرنسي جاك ماجوريل الذي دلّه شغفه بالألوان لابتكار درجة جديدة من درجات اللون الأزرق – عُرفت فيما بعد بأزرق ماجوريل – درجة فاقعة أسبغها على جدران فيلته الأندلسية في الحديقة التي أسسها, خارجًا بذلك عن أعراف المدينة الحمراء.

          ” الحديقة لم تصمم على يد بستاني، بل على يدِ فنان، وهذا ما جعلها واحدة من أجمل اللوحات الطبيعية التي أبدعتها يدُ انسان “قرأت هذا الوصف قبل زيارتها, وعندما رأيتها تأكد لي ذلك.
بجانب الفيلا الزرقاء والنقوش الأندلسية وبرك المياة التي أجراها تيمنّا بكل حديقةٍ عربية، جمع الرسام جاك ماجوريل انواعا نادرة من النباتات، نخيلٌ من كوبا، وأعواد خيزران من الصين وصبارٌ عملاق من المكسيك – أضحكني الدليل في الحديقة عندما أخبرني بأن الناس يطلقون على احدى الصبارات العملاقة اسم لسان الحماة , كناية عن حدّة كلماتها وتسلّطها على كنّاتها ، فُتن ماجوريل بحديقته وبمَرّاكش، التي أصبحت مُلهمةً له بكل أعماله.
بعد وفاته آلت ملكية الحديقة للمصمم الشهير ايف سان لوران، الذي شُغف بها حُبا، لدرجة انه طلب احراق جثته بعد وفاته ونثر رماده على أشجارها حتى يعيش فيها إلى الأبد.

          في المتجر التابع للحديقة, تُباع قطع من دار لوران خاصة بمرّاكش, بألوانٍ شرقية جريئة ونقوش عربيّة, كما تبع مجموعة من الكتب الفنيّة تستعرض أزياء المغرب وبيوتها وفنونها, أخترت منها كتابًا يصوّر الفيلا التي بناها سان لوران على مر السنين, بديكوراتها المبهرة, والتي يسكن فيها الورثة اثناء زيارتهم للمغرب ولم تفتح للزوار بعد.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s