نابولي : جولة في قلب المدينة

          لم تكن أهدأ من فيرونا, ولا أعرق من فلورنسا, ولا أفخم من ميلانو ولا حتى أجمل من روما. ولكني أحببتها, كانت الأقرب لقلبي من بين المدن الإيطالية الكبرى, أحببت نابولي بكل فوضويتها وزحامها وتراكم الزمن عليّها دون حرصٍ منها على القيام بعمليّات التجميل لتهذيب أثره على مبانيها.

          أحببتها ليس لإيطاليتها فحسب, بل لأنني وجدت فيها شيئًا من الاسكندرية وبيروت, في التجوّل بين أحيائها, كانت تقفز لذاكرتي أحياء الجميزة والزمالك وشارع النبي دانيال, وجدت فيها ما كنت أقرأه دومًا عن تأثير الطليان في مصر تحديدًا, عندما أبحروا عبر البحر الأبيض المتوسط وحملوا عمارتهم وثقافتهم معهم وروسوا على شط الاسكندرية.

          أناسها كذلك مختلفون, أكثر بساطةً وجنونا,  يجسّدون السمات المعروفة عن الشخصيّة الإيطالية ذات الصوت المرتفع والضحكات الصاخبة, النهمة للحياة والمرح, للغناء والرقص والميل لمتعة عدم فعل شيء, يُقال, أنك كلما نزلت للجنوب الإيطالي, كلما وجدت شيئًا من روح العرب, ربما كان هذا هو السر الذي شدّني إليها.

          في الحقيقة, لم أجد القاهرة والاسكندرية في شوارع نابولي وحسب, بل في قصرها الملكيّ أيضًا وجدت الروح التي رأيتها في القصور التي صممها الإيطاليّ أنطونيو لاشياك للعوائل الارستقراطية, كانت تتشابه خطوط التصميم واللوحات والأبواب وطريقة توزيع الأثاث والتحف, صحيح أنها في القصر الملكي أفخم وأكبر, ولكن الشبه والاقتباس واضح.

          يقع القصر الملكي والذي تحوّل لمتحف في الجزء القديم, حيث الميدان الرئيس “بيازا ديل بليسيتو” بجانب الكنيسة المهيبة الضخمة ودار الأوبرا الأقدم التي مازالت مستمرة بالعمل في أوربا ” تياترو سان كارلو “, إن استجبتم ذات يوم لنداء نابولي وزرتموها, لا تفوّتوا حضور عرضٍ موسيقيّ أو أوبرالي في إحدى مقصورات المسرح/ التياترو.

مقهى جامبرينوس

          ولا بد من أنكم حفظتم الوصفة المتكررة في المدن الأوربية القديمة, ساحةٌ فقصرٌ فكاتدرائيةٌ فمقهى, سُميّ مقهى جامبرينوس ” صالة جلوس نابولي ” منذ افتتاحه في العام 1860 وهو يقدّم القهوة لنخبة المجتمع, الذين يجتمعون على طاولاته العتيقة يتباحثون في شؤون السياسية والفن والأدب الرفيع وبينما يستمعون للعزف المرهف على أصباع البيانو.

في عام 1890 انتقلت ملكيته لماريانو فاكا التي أعات تصميمه وفقّا لفن الآرت نوفو حتى يليق بمكانته بالقرب من القصر الملكي, استعان بالمهندس المعماري أنطونيو كوري ، أستاذ الهندسة المعمارية، والأستاذ الفخري لمعهد الفنون الجميلة الذي جاء بفنانين ورسّامين ليحولوا جدران المقهى إلى لوحاتٍ فنيّة متجاورة, أهتم ماريانو أيضّا بالتجديد والابتكار في المعجّنات والحلويات, منحه ذلك ثقة الأسرة المالكة التي أصبحت تستورد من مطبخه ابداعات الحلوانيين لموائدها واحتفالاتها.

استقبلني النادل النبيل بالترحاب, أجلسني على طاولة بجانب لوحةٍ ريفية لطفلٍ يلتحف بأغصان شجرة الليمون وسألني عن قهوتي, فأجبته باجابتي المعتادة : ” القهوة التي يشتهر بها مقهاهكم الرائع ” , “ناتشولا؟”, “من فضلك”, ثم سأل “وماذا عن الطعام؟”, “الحلوى الذي يشتهر فيها أيضا مقهاكم الرائع ” , ابتسم وقال ” اسفوياتيلا ؟ ” .

قدّم لي القهوة بكأسٍ زجاجيّ صغير بدلا من الكوب, كانت عبارة عن طبقة كثيفة من الشوكولاة تعلوها جرعة اسبريسو, مُعدّة على يد القهوجية المتمرسين الذين قضوا أعمارهم في المقهى حتى اختلطت القهوة بدمائهم وأنفاسهم وأصبحت جزءًا من تاريخهم الشخصيّ.

أما الفطيرة المقرمشة الهشة المحشوّة بكريما الليمون والجبن, فليس لي بقدرةٍ على وصف مذاقها الخياليّ, إن كان ثمة مذاقٌ لنابولي لا تدعوا أحدًا يخدعكم ويقول أنه ” بيتزا نابوليتانا ” بل هو فطيرة الاسفوياتيلا في مقهى جامبرينوس.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s