إربد والمطل البانورامي على التاريخ

بحرة بيت النابلسي

          المدن العربيّةُ مدنٌ حكّاءة, هذا ما يشدني إليها دومًا, ولا أجده في غيرها, أنا إذ أطارد الحكايات والقصص في الأماكن التي أقصدها, كنت أجد الحكاية بسهولة وراء كلِ بابٍ أطرقه في مدينةٍ عربية.

          اصطحبني والدي في اليوم الثالث من الإقامة في المزرعة للتجوّل في مدينة إربد, مدينةٌ  جئتها بذاكرةٍ بكر, لم أقرأ عنها من قبل, لم أشاهدها في الصور أو التلفاز ولم يحكي لي عنها أحدٌ شيء, ولكن ما إن ترجّلت من السيّارة في ساحة فوعرا واستقبلني بيت النابلسي بحجارته وبلاطاته القديمة وأقواس شبابيكه, حتى شعرت بأنني أعرف المدينة منذ زمن, بأنني قد رأيتها فيما رأيت من المدن وقرأت عنها فيما قرأت من الكتب, هكذا هي المدن العربية, مهما بدوت غريبًا وتائهًا في حضرتها, لابد أن تغمرك بالألفة والدفء.

          بيت النابلسي, بيتٌ بناه التاجر محمد النابلسي عندما ألقى رحله في المدينة واستوطنها بدايات القرن العشرين قبالة أسواقها القديمة, فكان نواة الحيّ السكنيّ الذي بدأ يتعمّر ويمتد بجانبه, بناه على الطراز الشاميّ المحدّث في ذلك الوقت, فناءٌ تحيط به الدور, ومن قلبه تتطاول شجرة ليمونٍ أخضرٍ عملاقة, تغطي أغصانها المزهرة والمحمّلة بالثمار شرفات الطابق الثاني, تغلّف البيت برائحةٍ منعشة, وتحمل أزّهارها البيضاء الصغيرة المتفتّحة رائحة ” المازهر ” الذي يُقطّر منها. على الجدار, تتسلّق ياسمينةٌ قديمة, وتعرّش فوق الحاجز الحديدي بجانب أغصان الليمون في الطابق العلويّ, بيتٌ تحوّل من مسكنٍ إلى مدرسة, ومن ثم إلى مركزٍ ثقافيّ, حُمّل بذكرياتٍ متواتره, غادره من بناه ومن عاش فيه ومن ورثه ومن مرّ عليه, وظلت تسكنه أشجاره.

          في الفناء, بئرٌ لتجميع ماء الأمطار, حيث تعرف إربد بشحّ الماء فيها, وبحرة, ما إن رأت صغيرتاي البحرة حتى ركضتا باتجاهها, لعبتا, دارتا حوّلها ورددتا الأغنيات, لطالما أحببت المقاطع الأدبية التي يستذكر فيها الكتّاب الشوام علاقتهم ببحرة الدار حين كتابة سيرة الطفولة, البحرة التي تتوسط أرض ديار واستذكارهم للهو حولها والغطس بمائها وتبريد الفاكهة التي تطفو على سطحها بأيام الصيف, اطعام سمكاتها وسقيّ الزريعات التي تحيط بها.

          تلك العلاقة بين الطفل, ومسرّات منزله, تمثّلت أمام قلبي حين ركضت طفلتاي باتجاه بحرة بيت النابلسي, البحرة التي جفّ ماؤها منذ عقود إلا أنها ما تزال مرتعًا ملهمًا لألعاب الطفولة.

بيت الشاعر عرار

          غادرنا المنزل باتجاه آخر, بيت الشاعر ” عرار ” مصطفى وهبي التل أو شاعر الأردن, والذي تحوّل لمتحف بعد أن وهبه ورثته لوزارة الثقافة ونقلت له رفاته, بجانب سرده لسيرة الشاعر وحياته, خصصت غرفاتٌ لصوره وأخرى لقصائده ودواوينه ومقتنياته ومخطوطاته, وتركت الباحة الكبيرة في وسطه للأنشطة الفنيّة, عُرف عن الشاعر بأنه مقت حياة المدينة, وكان يعتزلها طويلاً بصحبة الغجر, متحررًا من الالتزامات والواجبات التي تفرضها الحياة في مجتمعه, بعد أن سُجن ونُفيّ وأوذي, وكتب الكثير من شعره تغزّلا في الحرية.

          شُيّد المنزل في عام 1905 وفي ذلك العام غُرست شجرتيّ توتٍ أبيض عند مدخله, في زيارتي للمنزل, كان عمر الشجرتيّن عشرُ سنينٍ ومئة, كانتا تبدوان كشجرةٍ واحدةٍ عملاقة تظلل الفناء بكامله, تصير له سقفًا أخضرًا يهطل منه التوت الأبيض ويتساقط على الأرض كلما مرت الريح بين الأغصان ورجّرجت حَمّلها, لم أنتبه لكونهما شجرتيّن, إلى أن أشار لي حارس المنزل إلى الجذع المتين المتلف : ” هول شجرتين, وحده منهن لفّت عالثانية, شوفي كيف الجذعين مبرومين على بعض, يا سبحان الله “.

          وعندما رآني ألتقط الصور, أخذني لزاويةٍ من المنزل, وقال ” هون تقدري تاخذي أحلى صورة, شوفي ” وأشار لي للمنظر خلف البيت, لعناق مئذنة المسجد وصليب الكنسية, للتجاور والتسامح والحياة الرحبة في ظل مدينةٍ عربيةٍ قديمة.

          بيتُ الشرايري أيضًا كان من البيوتات الإربدية التي يمكن للسائح أن يعرج إليها, ولكنه كان تحت الترميم والتطوير كمتحفٍ للحياة السياسية عندما وقفت على بابه, شهد البيت اجتماعات الأكابرية ورجالات الدولة خلال مرحلة استقلال إمارة الأردن عن الدولة العثمانية وقضى فيه الملك عبدالله الأول مؤسس الدولة بعض لياليه في تلك الأيام العصيبة, ولكنه وحسب زيارتي تلك , كان يفتقر لجماليات البيوت القديمة, ربما طمس التجديد معالمه.

          وليس من المعقول أن يغادر أحدنا اربد دون المرور على السراي العثماني, والذي تعود بعض أجزاءه للعصور الإسلامية الأولى في الشام, يحتفظ السراي ببنائه الحصين, بأحجار البازلت السوداء التي تجلب من الجبال المحيطة بالمدينة وأحجار القرطيان ذات اللون المائل للزهري, كان مهيبًا, يشعر السائر فوق حجارته بالمهابة والسطوة, على مر العقود, مارس وظائف إدارية وأمنية مختلفة لحفظ المنطقة وحمايتها, تحول الآن لمتحف ومركز ثقافي.

المطل البانورامي على التاريخ

          استكمالاً لرحلات استكشاف المنطقة, أخذنا والدي لرؤية الآثار الرومانية في منطقة أم قيس, والوقوف تحت أقدم شجرة زيتونٍ رومانية في الأردن, ومشاهدة قلعة عجلون, وبيوتها القديمة التي تحرسها أشجار الرمان وتفيض عند أبوابها الموصدة, في الطريق, استوقفنا رجلٌ وقال : ألا أدلّكم على خيرٍ من أم قيس وحجارتها ؟ فقال له والدي: اركب معنا, وأخذنا الدليل إلى رحلةٍ أخرى في التاريخ, أخذنا إلى حيث الحدود، بين الاْردن، فلسطين وسوريا، إلى السياج الشائك والسور المفتعل الذي يقسم الأرض الواحدة إلى أرضيّن وثلاثة, أخذنا إلى بقايا سكة الحجاز، وآثار الروم والعرب والترك، إلى التاريخ السحيق والمستقبل المُنتظر بوعدِ الكتب السماوية، الديانات الثلاث والروايات المتشابهة والصراعات الأبدية، كُلها كانت في المكان الذي أخذنا إليه.

“ومشيت مثل الطفل خلف دليلتي، وورائيَ التاريخُ كومَ رمادي

          هذا البيت الذي أنشأه نزار في الأندلس, كان يصف حالي تماما وأنا أسير خلف المرشد السياحي على حدود الاْردن، فلسطين وسوريا ,أرقب من المطل البانوراميّ, الذي أخذنا إليه آثار التاريخ الذي مرّ من هنا قبل مئات السنين، ورائيَّ بلال يرفع الأذان الأول على هضبة الجولان، عن يساري ابن مريم يرتقي للسماء من جبل طابون وتحته ابن الوليد يقود جيشه لمُلاقاة البيزنطه في ارض اليرموك.

          في الوادي بحيرة طبرية، التي قيل بأن لعذوبتها وصفاء مياهها سيشرب منها قوم يأجوج ومأجوج حتى تجف، فيقول آخرُ رجلٌ منهم بأنه كان هنا ماء.. قبل أن تقوم الساعة.

          كان الدليل يتحدث, يسهب بالحديث وبسرد الروايات التاريخية, يشير بيديّه إلى هذه الأرض, الهضبة, الوادي والبحيرة, هذا المكان الذي كان مكاناً واحدًا، ملتحمًا، منبسطًا، ممتدًا بلا حدود ولا شباك, هذا المكان الذي بلادُ الشام, ومسرحًا لأحداثٍ عظام, وأصبح الآن بقعةً ينسبها كلُ طرفٍ لنفسه.

One thought on “إربد والمطل البانورامي على التاريخ

  1. رائع لقد عشت الرحلة معك التاريخ والماضي له نكهه خاصه وكذلك المزرعه والتربة والشجر 💚♥️

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s