الجنوب اللبناني : صيدا وصور موانئ الصيادين

صيدا

          عندما يُقال لبنان، تقفز بيروت إلى أذهاننا، الجبل، دير القمر، الضِيَّع، جعيتا ونبع الصفا، ولكن ماذا عن الجنوب؟ الجنوب اللبناني الذي مرّت عبره الحروب وسكنته المخاطر فعزف عنه حتى بعض أهله, الجنوب حيث صيدا وصور وحيث ثمّة جمالٌ خبيءٌ منسيّ، لا يرتاده السياح كأن لم يُكتشف بعد بالرغم من قِدَمِه.

في رحلتي الأخير للبنان, أردت أن استحوذ عليه, أن أتذوق كل مذاقاته في لقمةٍ واحدة, لم تكن الرحلة كالعادة ثلاثة أيامٍ أو أربع مخصصة لمدينة واحدة أو اثنتين, بل كانت سبعُ ليالٍ وعدة مدنٍ وضيع, بعد بيروت والبترون ودوما وبعلبك وطرابلس, قصدنا صيدا وصور, سرنا بمحاذات الساحل, عبرنا بساتين الموز والليمون, ورأينا مالم نكن عادةً نراه في لبنان.

 طفنا طوافًا سريعا في صيدا الحديثة ورحنا بعدها لصيّدون, للاسم القديم الذي أطلق على المدينة لحجارتها, للقلعة والميناء والساحة.

وكعادة المدن التاريخية, لم تكن صيدا قد تنبأت بعصر السيارات, نزلنا بمحاذاة الميناء, استقبلتنا بيوت الصيّادين ومقاهيهم ودكاكينهم بهيئتها الحجرية العارية, وأشار لنا الشوفير بأن المدينة خلف هذه البيوت, ولجنا من بوابةٍ بلا دفتيّن, سلكنا زقاقًا ضيقًا أفضى بنا للساحة.

          في المُدن القديمة الساحة هي القلب، المركز الذي تتفرع منه الحواري والأزقة والأسواق، أهل المدينة يعتبرونها صالة منزلهم المفتوحة لهم جميعًا طوال الوقت, تلمسّت ذلك بشكلٍ واضح عندما جلست في ” مقهى سلّوم ” والذي كان خان عثمانيّ منذ خمسمئة عام, وتحول اليوم لمقهى بكراسٍ بلاستيكية رخيصة ولوحاتٍ لأم كلثوم وفيروز ووديع الصافي, متروكٌ على فطرته الأولى, بلا أدنى محاولات لتطوره وتشويه ملامحه. كان الصبّية الصغار يلعبون الكرة بالفانيلات الداخلية، أو بلا فانيلات على الاطلاق, كبار السن يلعبون الزهر على طاولات المقهى، الشباب يطرقون على هواتفهم والنسوّة يثرثرن من شرفات البيوت التي تطل على الساحة، إحداهن تدلي سلتها المربوطة بحبل للبقّال الذي يملؤها ” بتواصي البيت ” .

طلبت الكنافة فهرع عامل المقهى لمحل الحلويات المجاور وجاءني بطبقٍ يفيض باللذة, مالت الشمس وأرتفع اذان المغرب من مئذنة المسجد العثماني ويمم الجميع وجهه شطر الله, الساعة التي قضيتها في ساحة صيدا القديمة، المبنية من حجارة التاريخ والضاربة في القدم، كانت أشبه بقضاء ساعة في موقع تصوير مسلسلٍ تاريخي, أو بداخل كلمات أحد كتب أدب الترحال من القرون الماضية.

          ” سوق المدينة القديمة يصل ما بين طرفيّها من دون انقطاع، سوقٌ طويل تتفرع منه أزقّةٌ ودروبٌ وحارات. أسواقٌ مسقوفة تتصل بفسحاتٍ واسعة تفضي الى منازلٍ تتقدمها شبه حدائق، كنّا نشعر في طريقنا وكأننا ندخل المنازل ونخرج منها دون أن يشعر بِنَا أحد. مع ذلك لم نكن نفكِّر طويلا بالتاريخ الكثيف الذي تحمله تلك الاسواق والأزقة الداخلية، ولَم نكن ندرك كوننا جزءٌ من أجيال متعاقبة مرت من هنا. كانت تجذبنا تلك الحياة المنوّعة والتداخل بين عوالم مختلفة ليس بينها حدود واضحة، اختلاط الخلق والمهن والروائح والأصوات في أزقّة السوق القديم “

هذه الفقرة المقتبسة من وصف الكاتب اللبناني خالد زيادة لشكل مدينته في الذاكرة والتي أوردها في كتاب ” مدينة على المتوسط” , رأيته متجسّدا أمام عيني وأنا أسري في سوق صيدا وقد أقفل أبوابه الخشبية بعد آذان المغرب الذي ينبئ عن نهاية نهارٍ طويل في المدينة.

قصر دبانة

          ولأن صيدا من تلك المدن التي تنتمي لأمسها أكثر من حاضرها, فكلما أوغلت فيها طالعتك لافتة بلونٍ بنيّ تشير إلى المعلم التراثي الذي أمامك, وأهمها ” قصر دبّانة” أشهر بيوت صيدا، القصر الذي بناه علي آغا محمود القائم بأعمال ومصالح الأستانه إبّان حكم الدولة العثمانية في العام ١٧٢٢، بناه كتحفة معمارية تجمع بين العمارة المملوكية والعثمانية والدمشقيّة، إلى أن اشترته عائلة دبانة في العام ١٨٠٠ وملكته إلى يومنا هذا، استعانت العائلة بمصممٍ فرنسي شهير لإضافة طابق جديد وبعض اللمسات اللبنانية مثل القناطر والقرميد الأحمر، فاتخذ البيت شكله الذي هو عليه الآن. عاشت فيه أجيالٌ متعاقبة من عائلة دبانة، خِلقت بين حيطانه، تزوّجت وخلّفت وكِبرت في حجراته، إلى أن اضطرت لمغادرته في الحرب الأهلية، فاستوطن القصر ٢٥٠ مُهجّر من القرى والمدن المتضررة، سكنوه لخمس سنوات قبل ان تستطيع العائلة استرجاعه وهو في حالةٍ يُرثى لها.

          بوحيٍ من أزهار النرجس والقرنفل والتوليب نُقشت جدرانه المكسوّة بالآجر الأصفر، أرضياته من الرخام الملوّن والمزيّن بأشكالٍ هندسيةٍ من الحضارة الاسلامية، أسقفه مكسوّة بخشب الزان المذهّب وبحرة آسرة تتوسطه, جماليات القصر جعلت من السيّاح يطرقون الباب على ملّاكه للاستئذان برؤيته، جعل ذلك السيد روفائيل دبّانة كما يقول في لقاءٍ تلفزيوني التفكير بوقف القصر كأثر ومزار سياحي، أهداه لمدينته, طعّمه بالأثاث العتيق، الزجاجيات والأوبلين وأطقم البورسلان التي تخص ذكريات مائدة العائلة بالإضافة للآلات الموسيقية التي جمعها على مدار حياته. وفتح بواباته أمام الناس مجانا.

متحف الصابون

          وحين تدير وجهك للزقاق المقابل، وتسري في شرايين المدينة تعبر أقواسها الحجرية وبيوتها العتيقة وتمر بصانع حلوى الراحة وبائع الشرقيات ودكانة العطارة , ستغمرك رائحة الصابون وزيوته قبل أن يقع نظرك على اللافتة التي كتب عليها ” متحف الصابون ” أو كما يسميه الصيداوية ” الخان ” خان الصابون, والذي تجاوزه الزمن بثلاث مئة عامٍ منذ أن بنته العائلة المغربية عائلة حمود وملكته بعد ذلك عائلة عودة, حافظت العائلة على أقواسه المرتفعة وحجارته وأدواته القديمة وحولته في التسعينيات إلى متحف, ونقلت المعمل وتقاليده الأصيلة في صنع الصابون إلى مكانٍ آخر.

          وقبل أن تمر بآلاف مكعبات الصابون التي تصطف فوق بعضها كسورٍ عظيم, و تتوجه للمتجر وتبتاع حصتك من صابون صيدا, أغمض عيّنيّك، استحضر رائحة الليمون والخزامى والعسل، المسك، إكليل الجبل والزنجبيل، زيت الزيتون والفانيليا.
لا، لست بصدد استحضار نكهة أو وصفةٍ لإعداد الطعام، تلك هي المكونات التي تحوّلت بيدِ اللبنانيين إلى أكثر اسرار صناعة الصابون تعقيداً وجوّدة, لا تكاد تدخل محلا في لُبنان أياً كانت بضاعته إلا وتلّفك رائحة الصابون المصنوع يدوياً في المعامل المحليّة.
حيث كانت الأسر تستعين بأشجار زيتونها في تأمين الزيت اللازم لصنع الصابون، تبتكر النساء الوصفات مما تجود به بساتينهن من أعشاب وازهار ويقوم الرجال بترجمة تلك الوصفات لمكعباتِ الصابون والتي تُحفر اسماء الأسر المُنتجة عليها إلى الآن تأكيدا على الجودة والسر الذي تناقلته الأجيال، هذه الأختام المختلفة وقوالب الصابون الموسومة بأسماء الأسر، محفوظة في احدى فاترينات العرض بالمتحف.
في وقتنا الحالي يُباع الصابون اللبناني حول العالم، في متاجر شهيرة وكبرى, ولكن ما من قطعةِ صابون تماثل تلك التي تُشترى تازه من محال بيع السوفنيرات او المتخصصة في بيع منتجات الصابون اللبناني الأصيل أو أحد خانات الصابون في صيدا وطرابلس.

في المتحف، رافقني الدليل عند كل حجر وحفرة، شرح لي باستفاضة، وعندما أوقفني عند فاترينة عرض أدوات الحمام للعرائس تحديدًا، لفتتني قطعة قماش مطرّزة بالصرما، فاتنة وجميلة ومختلفة عن كل ما رأيته بالسابق، لها وجهان، لكل وجةٍ لون، عندما سألته عن ماهيتها أجابني بأنها البقشة أو الصرّة التي تحمل بها العروس مشطها وليفتها وصابونها وزيوتها وفوطوتها، تلفها وتروح بها للحمام، وللمصادفة، بعد شهرين، عثرت على قطعة مشابهة لدى بائع أنتيك، أذهبت لي عقلي وما في جيبي، طلب لقاءها مبلغًا مبالغًا به، ولكن فكرتها الثقافية سيطرت عليّ ودفعتني لابتياعها.

صور

          أم المدن، سيدة البحار, مدينة الأبجدية. كلها ألقابٌ لا تكاد تفي المدينة حق تاريخها، من أراد أن يقرأه فكتب التاريخ ومدوناته مُلأت به, مدينة صور من أولى حواضر الأرض، تتابع عليها الفينيقيون، المقدونيون، الرومان والعرب، مرت عبرها الحضارات والحروب والأعراق والشعوب، مدينةٌ كل حجرٍ فيها يشهد على ماضٍ لم يمضِ ولم تستفيق منه.

          عندما جئتها, لم يكن كل ذلك التاريخ يهمني على غير العادة, لم آتِ بحثّا عن ماضيها ولا ملاحقةً لأطياف ذكرىً من طفولتي, ولكن بحثًا عن البيوت الملوّنة التي تمتلئ الحسابات اللبنانية في الصيف على الانستجرام بصورها, والاطلالات اللانهائية للشرفات على البحر الأبيض المتوسط, أتيت للاسترخاء والاستجمام في اليوم الأخير بعد الرحلة الطويلة التي قضيناها متنقلين في شمال وشرق وغرب لبنان.

          لم أنتبه للتاريخ, للتاريخ المعاصر, تاريخ اليوم تحديدا, اليوم الذي حددته للاستجمام في مدينة صور البحرية الوادعة, كان الثامن من محرّم!

          حين تتجه إلى صور فأنت تتجه لأقصى الجنوب اللبناني, تقترب من فلسطين المحتلة ومن الحدود ومن المواقع التي شهدت نزاعًا غير بعيد, لذلك, عبرنا في طريقنا للاستجمام جنود قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة بجنسياتهم المتعددة وأعلامهم ودباباتهم وأسلحتهم, عندما وصلنا صور كان اللون الأسود يلفّها حدادًا على مقتل الحسين سبط رسول الله واحياءً لذكراه, وكان من واجب الجيش اللبنانيّ حماية المشاعر الحسيّنيّة, لذلك في طريقنا للاسترخاء عبرنا أيضا جنود الجيش اللبناني وأعلامه ودباباته وأسلحته!

          طمأننا السائق بأن فندقنا في الجانب الآخر من المدينة والذي يبعد “كيلو مترا أو اثنين” عن الساحة التي ستشهد المراسم غدًا,  ” الفندء هونيك, عطريء بحري ” وطلعنا بحري, وبلغنا الحارة التي وكأن بينها وبين الساحة المجاورة ما بين المشرق والمغرب, كانت الحياة تدب فيها غير عابئة بما يجري خارجها, اللهم لوحةٌ بحجمٍ متوسط مرفوعة في الميناء تعلن عن مشاركة الأهالي المسيحيين للأهالي المسلمين تعازيهم الحارة بمناسبة عاشوراء.

          بلغنا حارة النصارى كما يُطلق عليها, أو حارة البيوت المفتوحة كما أسميّتها، سيبدو هذا الاسم مناسب تماما لطريقة الحياة فيها، الحارة التي تمتد على ضفتيّ طريقٍ قصير تقطعه مشيّا بعدة دقايق, ينتهي للميناء ويبتدأ منه, كحلقة، ببيوت صغيرة متراصة ملوّنة ومزيّنة بالأشجار والشتلات والزهور، بيوتٌ بأبوابٍ لا توصد في النهار. عندما مررت بجانب احداها رأيت ” الرواء اللبناني ” متجسدًا في مشهدٍ عائليّ يوميّ، كانت الست الختيارة بجانب ابنتها على طاولةٍ مستديرة يحفرّن أكواز الكوسا لإعداد المحشي، بينما تجلس الحفيدة على عتبة الدار تأخذ نفس ارجيله بلا مبالاة والخادمة تفسّح الجرو الصغير جيئةً وذهابا.

          كنت قد اخترت السكن في البيت الذي تحول حديثا لبيت ضيافة ” دار كاميلا “, حافظ البيت على حجارته القديمة, رممها وطعّمها بقطعٍ متفرّدة من الأثاث, كانت البيوت اللبنانية التي أزورها عادة إما تتبع قواعد البيت اللبناني التقليدي بصرامة أو تدخل معه بعض اللمسات الأوربية, في دار كاميليا كانت روح رياضات المغرب تختلط بروح لبنان, وهذا مالم ألمسه في مكانٍ آخر.

يا مينا الحبايب

 تقول فيروز ” يا مينا الحبايب يا بيروت ” لكن، مينا بيروت لا يعجبني، لا تثيرني اليخوت الفارهة في مراسيه الحديثة، ولا الفنادق الشاهقة التي تحجب الشمس عنه، ولا مقاهي ستاربكس ومطاعم البرجر قبالته، ولا فندق السان جورج الذي يصارع للبقاء.

أنا، مأخوذة بسحر الموانئ اللبنانية العتيقة، مينا جبيل ومينا البترون ومينا صيدا وصور. الموانئ التي يصفّ فيها البحَّارة قواربهم الخشبية بعفوية. يطلقون عليها اسماءً طريفة ويعلّقون قمصانهم المبتلّة بمياه الابيض المتوسط.

انا مأخوذة بشباك الصيد والصنارات البدائية، بالمقاهي المحليّة التي يجلس على كراسيها الختايرة والشبّان بفنّيلاتٍ بلا أكمام يلعبون الزهر ويحددون اسعار السمك.

في الموانئ القديمة ستأخذك الذاكرة للوحة التمثيلية في فيلم صغيرة على الحب,  تكاد تسمع سعاد حسني تُنادي: يا صيادين بحر الهوى.. فيرد عليها الصيّاد محذّراً ومشفقًا لحماستها في /الحب : بحر الهوى غدار

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s