الرباط : قصبة الوداية

          في الرباط, قضينا ليلتنا في ضيافة قريبٍ لنا يعمل ضمن وفد السفارة لتمثيل دولة الكويت في المغرب, استضافنا في فيلته الجميلة الواقعة في الحي الدبلوماسي, أخذنا للعشاء وتمنى لنا ليلة هانئة إذ كنا قد وصلنا للتو من سفرٍ طويل, في الصباح أعدت لنا زوجته المغربية الطيّبة لذائذ الإفطار وصحبتنا إلى قصبة الوداية والسوق القديم.

          بعض المدن تبهرك بالفخامة، بالأبهة والزخم والعمران، وبعضها تبهرك بالبساطة, كانت تلك القاعدة تنطبق تماما على المدينة القديمة بداخل قصبة الوداية.

          بُنيت القصبة على حافة المحيط الأطلسي، بناها يوسف بن تاشفين كقلعةٍ منها يخضع المتمردين في المغرب ويتوجه الجنود نحو الأندلس, هُجرت بعد عقود فسكنها الأندلسيون عندما طردوا من ديارهم ونقلوا إليها فنونهم وعمارتهم المتبديّة بوضوح في الأقواس والنقوش وطريقة تزيين الأبواب وصف القرميد على الشبابيك وأطراف السطوح, نقلوا معهم حنينهم لموطنهم, استوطنوها وأعادوا الحياة لبيوتها, بالرغم من أنها قد تحوّلت الآن لمزارٍ سياحيّ, إلا أنهم مازالوا يعيشون في بيوتهم الوادعة, في مدينةٍ كانت من أهدأ المدن التي زرتها في حياتي.

          من بعيد, تُرى أسوار القصبة وبواباتها الضخمة على هضبةٍ مرتفعة, تشرف على المحيط ونهر أبو رقراق والمدينة, قصدّناها لقضاء بعض الوقت والتمتع بجمالياتها.

          زرنا الحديقة الأندلسية ذات الأقواس والبوابة الواسعة التي بناها السلطان العلوي المولى الرشيد على غرار الجنان الصغيرة في الاندلس, أجرى فيها الماء وغرس البرتقال والنارنج والنخيل وملأها بالأزها.

           بعد التيه في حواريها المطلية بالأبيض والازرق, والتبضع في المتاجر الفنيّة الصغيرة المتناثرة فيها والذي يشغلها فنانون ورسّامون وهواة وتناول قرص “مسمّن” من يد سيدةٍ تعدّه على الطريق فتغري رائحته العابرين, توجهنا لشرب الأتاي في المقهى المعلّق على حافتها, أحد أقدم المقاهى في المغرب.

          توجهنا لمقهى القلعة, او مقهى القصبة أو بالفرنسية كافيه لو موريس, أي مقهى الموركسيّ, أنشأه صاحبه على حافة القلعة, مطلًّا على المحيط والتقاءه بالنهر.

          امتداداً لفنون مدينته الاندلسية البعيده, ألبس مؤسس المقهى المصاطب الحجرية المخصصة للجلوس بقطعِ الزليج بألوانٍ مشابهة لما شاهدته في قصور أشبيلية وغرناطة, قطع صغيرة بالأخضر والأزرق والأصفر تتجاور لتشكل رسومًا هندسية, ألصقت المقاعد بالسور والجدار بحيث كل من يجلس يكون إلى جوار البحر, أمامها وضعت طالوات خشبية بسيطة مطلية بالأزرق وكراسٍ مستديرة صغيرة بلا ظهور, البساطة والبساطة فقط, كانت هي السمة التي تميّز المكان.

          ما إن جلسنا, حتى هرع إلينا المضيف بصينية معدنية مستديرة صفّت بها أنواع الحلويات المغربية, أصابع فاطمة, كعب الغزال وخاتم العروس, قدّمها لنا واتبعها بكؤوس الأتاي والنعناع والماء البارد.

          بعد الأستراحة وقفت لتأمل المشهد المهيب, الأسوار البعيدة لمدينة سلا, صومعة حسّان والساحة والمسجد, المحيط بصوته الذي يدوي وهو يرتطم باليابسة, صوتٌ مختلفٌ تمامًا عن كل ما سمعته من  قبل.

         ثم غادرنا القصبة للسوق القديم الذي ينحدر في أزقةٍ تحتها, كان يعج بالورش الفنيّة لنجارين ونحّاسين وخياطين ومطرّزين, بإمكانك وأنت تمر بهم, انا تتبادل الأحاديث معهم حول الصنعة وتشاهدهم غارقين في ممارسة فنهن ومهنهم التراثية المتوارثة .

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s