الزرابي

          ” رايحين على بيت الوزير ”  هذا ما سمعته من الرجل الذي عرض مرافقتنا في جولة المدينة القديمة في مرّاكش, سألته لأتأكد ” بيت الوزير؟ ” فأجاب نعم . عندما بلغنا البيت كانت حجراته تمتلئ بقطع السجاد المغربي, أو الزرابي  كما يُطلق عليها هناك نسبةً للتعبير القرآني في وصف الجنة ” وزرابيُّ مبثوثة”, فأدركت بانه كان يقصد ” بيت الزرابي”!
          الزرابي المغربية تُنسج من الوبر والأصواف، بألوانٍ بهيجة أو بتدرجات ألوان تراب الصحراء.على عكس السجاد الفارسي، لا تأتي مرفّهة حريرية وبرسومٍ دقيقة أو زخرفاتٍ معقّدة, لا تحمل رسومات تجسّد الحكايا المتوارثة أو الأساطير الدينية, السجاد المغربي يعتمد على الأشكال الهندسية أو رسومٌ بدائية لأزهارٍ وطيور وبغرّزٍ عريضة.

          استقبلنا الحاج أحمد صاحب الصنعة ومالك البيت بالترحيب والتهليل, وانتظرنا الدليل في الخارج راجيًّا من الله ومتضرعّا إليه ان يوفقنا لشراء سجّادةٍ أو أثنين علّه يُكافئ بعمولةٍ مجزية جرّاء جلب الزبون.

          دُعينا للجلوس, قُدم لنا الأتاي وبدأ العاملون بعرض السجّاداتِ واحدًا تلو الأخرى, وكبائعٍ مُحبٍ لبضاعته, أجتهد الحاج أحمد بشرحٍ وجيز عن كل قطعة والثناء على جمالها ودقّة صنعها والتذكير بالوقت والجهد المبذول لحياكتها حتى إذا ما اخترنا واحدة احترمنا المبلغ الكبير المطلوب مقابلها.

          هذه الزريبة فاسيّة, بزخرفاتٍ ونقوشٍ اسلامية, وهذه من صنع امرأةٍ من البربر وأخرى قروية, عادةً تبدا المرأة بحياكة الزريبة التي ستحملها معها لبيت زوجها, وإن برعت في المهنة, وسمح لها وقتها فهي تقضيه بحياكة السجّاد وبيعه لإعالة أسرتها, بعض العائلات درّبت أبناءها وتوارثت المهنة وعرفت بها في الرباط وفاس.

          الفرنسيون والبريطانيون هم أكثر من يشتري الزرابي في المغرب, لايكتفون بقطعة او أثنين, لديهم نهمٌ كبير وشغفٌ بها, زرابينا الصوفيّة تجلب الدفء لمنازلهم الباردة. وراح الحاج أحمد يستفيض بالشرح والحديث والكلام.

          أنا بدوري لم أتوانى عن حمل زربيةٍ مغربية معي, ليس مثلهم طمعا بالدفء لأن البرد عندنا شحيح, وليس من الحاج أحمد في بيت الزرابي , ولكن من سوق الرباط, عندما غادرت قصبة الوداية وانزلقت نحو الورش الحرفية والسوق القديم طالعتني زريبةٌ معلّقة على واجهة أحد المحال الكبيرة, جذبني اللون الزهري الطاغي عليّها, وتداخله مع السماوي والأبيض والأرجواني الفاتح, ألوانها كانت زاهية, بدرجات الباستيل, تريح العين حين تنظر إليها, حملتها معي إلى ان اتخذت مكانها في غرفة المكتب, تحت طقم الجلوس ذو اللون السماوي الفاتح.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s