قصر بيت الدين

أول قصر- متحف زرته في حياتي هو قصر بيت الدين في لبنان, كنت حينها في الثامنة من عمري اجوب الغرف الحجرية, أصعد السلالم, أطل من الشرفات وأنظر بفضول للأثاث والثياب والحُليّ الفضيّة, كنت أقول في نفسي: إذا هذا ما نراه في المسلسلات التاريخية وما نقرا عنه في الكُتب, تلك الزيارة الأولى التي فتّحت عيني على جماليات الفن الإسلامي والعمارة العربية, جعلتني أحنّ دومًا للعودة إلى ” بيت الدين ” قصر دهشتي الأولى.

          مابين القرنين الثامن عشر والقرن الذي يليه كانت جبال الشوف تحت امرة الشهابيين الذين اتخذوا من دير القمر والبلدات المجاورة لها عاصمةً لهم, عمّروا فيها القصور و الخانات والسرايات وتركوا آثارهم التي جعلت البلدة تُصنّف ضمن التراث الانساني في اليونسكو .

          في أغلب زياراتي للبنان أحب أن أخصص يومًا لزيارة جبال الشوف ودير القمر تحديدًا, زيارة ساحتها والأثارات المطلة عليها, سراي الأمير فخر الدين المعني والذي تحول لمتحف ماري باز للشمع بعد أن اشتراه السيد سمير الباز من الورثة الذين قيل بأنه لكثرتهم, سُجلت كُل غرفة من غرفات السراي باسم وريثٍ مختلف, بعد أن تتبعهم ولمّ شمل ملكية القصر حوله لمتحفٍ للشمع يحمل اسم والدته وذكراها, يحتوي على تماثيل صُبّت وصممت في فرنسا لشخصياتٍ لبنانية تاريخية .

          قلعة موسى, خان الحرير, دير الأمراء, فندق وقصر مير أمين الذي بناه الامير بشير الشهابي لابنه المزعج على قمة الجبل بعيدًا عن قصره. عاليه صوفر والمختارة حيث القصر البديع لعائلة جنبلاط ونبع الصفا, كلها من الوجهات المحببّة في جبال الشوف, الجبال الخضرا المغطاة بالشجر وقرميد المنازل والحجارة المدقوقة والمصفوفة بأبدع ما يكون بأيّدي العمال الدروز المهرة. 

          أحب في جبال الشوف مشاهد الحياة اليوميّة وهي تسري على مهلٍ وبهدوء في الحارات الجبليّة وفي البيوت المستندة على كتف الطريق بشبابيكها العتيقة وظلال النارنج واليوسفي وأشجار المشمش. أتذكّر كيف كنت وما زلت معجبة باللباس الدرزيّ التقليديّ الذي يتشبث به أفراد الطائفة الذين نصادفهم أمام بيوتهم أو يسيرون في الشوارع إلى مقاصدهم, الشروال الأسود والقمباز والحطة للرجال, أما النساء فيلتفعن بحجابٍ أبيض يغطي الفم وجزء من الأنف بالإضافة لجلّابةٍ سوداء.

          وفي العودة إلى بيت الدين بعد ستة عشر عامٍ من مغادرته بحثت عن ذكريات الطفولة. ولكن كغيّره من القصور كان قد رُمم وجُدد وأزيلت منه الكثير من المقتنيات بما يُناسب وظيفته كمقرٍ للرئاسة اللبنانية في الصيف وساحة لمهرجانات بيت الدين.

          بُني القصر على مدى عشرين سنة في عهد الامير بشير الشهابي الذي استقدم له البنائين والنقاشين من اسطنبول ودمشق, والمعماريين الذين حملوا معهم المرمر الأبيض من ايطاليا وأبدعوا بمزج حجارة الجبال اللبنانية بفنون النقوش الدمشقيّة والحفر على الخشب وصقل الرخام وتنجيد الأثاث بالقطيفة أو الحرير وتطعيمه بالصدف, ملئوه بالنوافير التي تبرّد أرجاءه وشقوا لها طريق الماء من نبع الصفا. حوله زرعوا أشجار التوت ليربي الامير دودة القز وينتج الحرير الذي اشتهرت به المنطقة, وشيّدوا الحمامات التركيّة بتقنياتها الهندسية القادرة على تبريد الماء او تسخينه حسب الفصول.

          من بين حجراته الكثيرة, كانت حُجراتٌ ثلاث هي الأجمل في نظري, غرفة الأميرة شمس في الحرملك بأثاثها الخشبيّ المطعّم بالصدف ووسائدها والوثيرة وشبابيكها الملوّنة التي تضفي عليها سترًا من الخارج ولا تمنع الرؤية عنها من الداخل, غرفة الشاعر الفرنسي لامارتين بالمكتب الموزاييك والطبليّة النحاسية, وغرفة الرئيس وليد جنبلاط التي كان يقضي فيها أيام الصيف الحارة.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s