مراكش : الحديقة السرية

مرّاكش، مرّاكش، هذه المدينة المتخمة بالأسرار والحكايا لا تكف عن منحك دهشةً جديدة خلف كل سورٍ مرتفع وبوابةٍ موصدة، لا تكف عن فتح خزائن جمالها، واغداقه عليك، غمرك به واغراقك.

كنت أسير جذلى في أحد أسواقها، وزحامه والحياة التي تضج في دكاكينه ومحاله، والجموع حوله تجيء وتروح، ترتفع أصوات الباعة المنادين على بضائعهم، المؤكدين على جودتها وندرتها، تتداخل بأصوات المشترين اللذين يتفاوضون على الأسعار، وأصواتٍ ترتفع لشبّانٍ يتحداثون ويتمازحون بأصوات شيوخٍ يحيوون بعضهم من بعيد، في غمرة السوق ذاك، وفي مكانه اللُجيّ، ارتفعت أمامي بوابةٌ ضخمة يحيط بها سورٌ شاهق، على صدره ترفّ رايةً قُماشية مشدودة على عمدانٍ نحاسية كُتب عليها بخطٍ عريض ” الحديقة السرية ” .

دلفت من البوابة، ابتعت تذكرة الدخول، نزلت الدرجات المفضية للحديقة وما إن خطوت بضع خطوات حتى انفتح لي بابٌ من أبواب جنةٍ مستترة.

والقاعدة في المغرب تقول : أينما عثرت على الجمال، لابد وأن تعثر على التاريخ بجانبه، فالبذرة الأولى للحديقة السرية غُرست في القرن السادس عشر عندما أنشأ السلطان السعدي مولاي عبدالله حي المواسين، فشيّد على هذه الأرض قصرًا له، ليكون نواة الحي، تحيط به المصالح والأسواق وبيوت العامة، وفي نهايات القرن السابع عشر وبعد انهيار الأسرة السعدية انتقلت ملكيته بعد أن تهدم واندثرت معظم ملامحه للحاج عبدالله الذي أعاده لسيرته الأولى وبناه وفقًا لمخططه القديم، أحيا اشجاره ورمم فنونه ورَسّم نقوشه وأجرى الماء في نوافيره، ومن مالكٍ لآخر، كان آخر من عاش في القصر وتمتّع بخصوصية حدائقه الحاج محمد اللوكرسي رئيس نقابة صناعة الساعات في مرّاكش خلال ثلاثينيات القرن الماضي.

الحديقة السرية اليوم تتكون من قسمين، الأول والذي سيقابلك فور دخولك حديقة على الطراز الغربي، مزروعة بالصبارات وبعض الأشجار الغريبة على تربة مراكش المستوردة من جميع أنحاء العالم.

أما القسم الثاني وهو الأجمل، فهي الحديقة الاسلامية المرممة على طرازها الأصيل وفقًا لمخططها القديم، مساحة شاسعة من الهدوء والانتعاش والظلال وسط خصوصيةٍ تحيط بها غرفات القصر، وفي قلبها يجري الماء في قنوات تروي غرسها.

وللقصر برجٌ يرتفع فوق المدينة، ويجاوز ارتفاع بعض مآذنها، يمكن ممن خلاله أن يحظى المرء بإطلالةٍ بانورامية على الحياة وهي تسري في جنباتها، وبناء برجٍ للقصر في تلك الأزمان كان يرمز لثراء ومكانة مالكه، بالإضافة لوجود حمامٍ خاص بداخله وتطعيم أسقفه بالزخارف وأرضياته بالزليج وجدرانه بالجبس المنحوت باليد.

ومن البذرة الأولى التي بذرها مولاي عبدالله في القرن السادس عشر، وإلى ثمرة الليمون التي اقتطفها البستاني اليوم من أشجار حمضيات هذه الجنة، لا تزال الحديقة السرية تؤتي أُكلها من الجمال والبهجة لكلٍ عينٍ رأت.

في النشرة التعريفية للحديقة السرية قرأت تعريفًا شاعريًا جميلاً للماء وفلسفته في الحدائق الاسلامية، أحببت أن أترجمه بتصرّف وأعيد صياغة عباراته وأشارككم به :

في قلب الحديقة السرية كما هو الحال في جميع الحدائق الاسلامية، هناك ربيعٌ يتمثل بالماء، الذي يراقص الأنوار أثناء جريانه في السواقي، وبركته تمثل سطحًا تنعكس عليه الروح وتتأمل انعكاسها فتدخل عالمها الخاص وتقوم على تنقية نفسها.

الماء في الثقافة الاسلامية عنصرًا لتطهير الروح، مثل الوضوء الذي يتطهر فيه المؤمن استعدادًا للصلاة خمس مراتٍ في اليوم، كما أنهُ رمزٌ للحياة وعلامةٌ على وجود الله وقوته، ولهذا توصف الجنة بأنها حديقةٌ تتدفق فيها الجداول (جنات عدن تجري من تحتها الأنهار)، في القرن الحادي عشر بنى المرابطون حضارتهم في مراكش معتمدين على الماء الذي جلبوه من جبال أطلس، وحفروا قناةً تتصل بنفقٍ طويل لاستخراج المياه الجوفية بطريقة هيدروليكية ووزعوها على مساجد المدينة وحماماتها ونوافيرها، كما مدّوا بها بيوت الأعيان وكبار القوم، ومن كانت المياة تصل لبيته كان يتمتع حينها بامتيازٍ عظيمٍ ونادر.

اليوم في مرّاكش، يمكننا رؤية الآثار الظاهرة لنظام توزيع الماء هذا متبدٍ في الرياضات والقصور القديمة، والمكون من أنابيب وخزانات وقنوات مرتبطة بعضها ببعض بذكاءٍ ودراسة. “

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s